في خضم أحداث الأيام القليلة الماضية ثمة حدثان استرعيا انتباهي يتصلان بالتاريخ والتراث، وكلاهما ينبغي أن يُدونا على الأقل بأدنى حد ممكن من التجرد والموضوعية، فأما الحدث الأول فيتمثل في إمعان القيادة الأوكرانية المرتهنة للغرب والأطلسي في تدمير رموز الإبداع الأدبي الروسي الكبار الذين أنجبتهم روسيا، وما كانت كييف لتفعل ذلك لولا أن هناك ضوءًا أخضر أميركيا بوجه خاص، ومن حلفاء واشنطن في أوروبا بوجه عام، والذين أوحوا إليها بهذه الصنعة الطفولية التي تسيء إليها قبل أن تسيء لروسيا.
وأما الحدث الثاني فيتعلق بمدير معهد العالم العربي المستقيل جاك لانغ، إثر تداعيات فضائح جيفري إبستين المدان بارتباطه بجرائم جنسية، خصوصًا بحق القاصرات.
ففيما يتعلق بالحدث الأول، فإننا إذا ما نحينا جانبًا علاقات أوكرانيا التاريخية وإرثها الثقافي والروحي المشترك مع روسيا، والذي يُعد أقدم من زمن الحقبة السوفييتية، فإنها تتناسى أن تحطيم رموز أدبية إبداعية عظيمة، كتمثال ميخائيل بولوكوف ونصب آنا أخماتوفا، وقبل ذلك تحطيم نصب أمير شعراء روسيا ألكسندر بوشكين في خريف العام الماضي، إنما هو إساءة لعاصمة أوكرانيا نفسها قبل أن يكون إساءة لروسيا، إذ كان الشعب الأوكراني يعتز بتلك الرموز، وظل كذلك لعقود طويلة، وهو يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من تراثه الثقافي. وقد كانت على سبيل المثال آنا أخماتوفا التي عاشت مع أمها في كييف، قد لعبت دورًا مهمًّا في نقل عدد من أعمال الشعراء الأوكرانيين إلى الروسية، كالشاعر الكبير إيفان فرانكو. وحتى الإساءة لكاتب كبير من وزن غوغول من خلال العبث بمنجزاته الأدبية ومنها “أمسيات في حديقة قرب ديكانكا” التي تتضمن حنينه للريف الأوكراني هو عمل صبياني أشبه كما قيل عن حق باقتلاع شجرة من جذورها.
وفضلًا عن كل ما تقدم ذكره فإن ما لا يدركه القوميون المتعصبون في أوكرانيا أن الإرث الثقافي لعظام روسيا في حقبتيها الروسية والسوفييتية إنما غدا ملكاً للإرث الثقافي العالمي الإنساني المشترك، فأنت لا تتخيل في عصرنا الراهن أن ينبغ أديب أو مبدع في العالم وتبرز موهبته دون أن تكون له خلفية اطلاع مسبقة بهذا القدر بمنجزات التراث الأدبي الروسي في تلكما الحقبتين.
أما فيما يتعلق بالحدث الثاني، فضيحة مدير معهد العالم العربي جاك لانغ، والتي كشفت علاقته مع إبستين واستتبعت مداهمة الشرطة للمعهد، فلعل هذه الفضيحة هي الأخطر منذ تأسيس هذ المعهد الثقافي العريق كمنظمة ثقافية فرنسية عربية عام 1980 بالاتفاق مع 22 دولة عربية. فمع أن تعيين المدير يعطي الرئيس الفرنسي حق اقتراح اسمه، كحق سيادي، إلا أننا نعتقد بأنه آن الأوان أن تجري باريس مراجعة جادة بحيث يتم هذا التعيين بالتشاور مع أكبر المؤسسات والرموز الثقافية الأدبية المشهود لها بالكفاءة في فرنسا وفي عالمنا العربي.
كاتب بحريني