في مشهد جسد كل معاني الجحود والعقوق، ظهرت سيدة في دولة عربية في مقطع فيديو وهي تعتدي على والدتها المسنة (90 عامًا) بطريقة مهينة وبها من القسوة والوحشية ما لا يمكن تصديقه، إذ كيف لمن لديه عقل أو حس إنساني أو قلب بشر أن يعتدي على سيدة بمثل هذا العمر والوهن والعجز مهما كان الأمر، فما بالنا وهي “الأم” بما لها من مكانة ومنزلة وبما هي محاطة به من توقير واحترام، وما هو واجب وملزم على أبنائها تجاهها من بر وإحسان.
التبريرات جاهزة ومعلبة لمعظم من يرتكب مثل هذه الجريمة الأخلاقية والإنسانية، وتتمثل بضغوط الحياة والأعباء والمشاغل الأسرية، مضافا إليها متاعب وهموم كبار السن، لكن كل ذلك لا يمكن أبدًا أن يؤدي لمثل هذه الوحشية في التعامل مع الوالدين.
بالتأكيد هناك الكثير من هذه الحوادث وأكبر منها لم يظهر للعلن وتتفاوت فيها أشكال الإذلال والإهانة التي يتعرض لها الآباء والأمهات على أيدي أبنائهم، وتتباين فيها الأسباب، وإن كانت تدور في الغالب حول المال إما طمعًا فيما لدى الوالدين أو ضجرًا بهم نتيجة ضيق ذات اليد وقلة المال وعدم القدرة على تحمل أعبائهم، لكنها جميعًا تعكس انحدارًا أخلاقيًا وقيميًا كبيرًا واستهانة بثوابت نشأنا وتربينا عليها. الصورة الحقيقية للأمومة تمثلت في عفو الأم المسنة عن ابنتها بعد أن سارعت الأجهزة الأمنية المعنية بالقبض على الابنة المعتدية عقب تداول فيديو الحادث، فإذا بالأم وبعد ما تعرضت له من ركل وضرب وسحل في مثل هذا العمر، يعتصر قلبها ألمًا وحرقة على ابنتها وخوفا على مستقبلها، فتطالب بالإفراج عنها وتتنازل عن أي حق لها وعدم اتخاذ أية إجراءات قانونية ضد ابنتها، بل وتعبر عن امتنانها لرعاية ابنتها اليومية لها، فهذه هي الأم التي لا يغير طبيعتها نكران ولا يؤثر عليها جحود.
رغم كل ذلك، يبقى من الأهمية بمكان ما طالب به أحد النواب بالبلد العربي من ضرورة معالجة أي قصور تشريعي وقانوني لعقوق الوالدين ووجود نصوص واضحة لتجريم عقوق الوالدين، وتكون رادعة لمرتكبيها حتى لا تتكرر مثل هذه الحوادث المؤلمة.
*كاتب بحريني