العدد 6318
السبت 31 يناير 2026
خواطر عن النيل الخالد
السبت 31 يناير 2026

أكتب إليكم من القاهرة حيث حططت رحالي فيها كما تعودت في نهاية الشهر الأول من السنة في كل عام، ومع أن زيارتي هذه المرة لدواع صحية، فإن زيارتي لمعرض الكتاب ظلت شغفًا، لا بل جنوناً لم أستطع صده، وقد جال بخاطري وأنا أجلس على واحدة من ضفاف النيل، كما تعودت أن أفعل كل عام لأمتّع ناظري بنهرها الخالد.. أقول جال بخاطري هذا التساؤل: لماذا روعة وفتنة النيل لا تتبدى ولا تتجلى إلا في العاصمة المصرية، أو سائر المدن والقرى التي يخترقها النيل من أقصى الوجه القبلي إلى أقصى الوجه البحري بدمياط ورشيد، ليصب في البحر المتوسط؟ إن نهر النيل يقدّر طوله بنحو 6650 متراً، وهو بذلك يُعد النهر الأطول في العالم، أما دول حوض النيل فتبلغ 11 دولة أفريقية تُعرف بدول المصب والمنبع، وهي كل من: مصر والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو وإريتريا.

وقد ظل النيل منذ القِدم موئلاً لأقدم الحضارات التي ارتبطت بنهره، سيما الفرعونية، فلا غرو إذا ما قيل إن مصر هي “هبة النيل”. وعلى ضفتي النهر بُنيت المعابد وأنشئت في القاهرة أجمل الجسور حتى بلغت في عصرنا منذ القرن التاسع عشر ذروةً وآيةً في الجمال والفن المعماري هندسةً وتصميما. وأنت لا تجد لمثل هذا الجمال ما يضاهيه في دول الحوض، ولاسيما الكبيرة منها مساحة، كالسودان وإثيوبيا. لا بل إن مصر تُعد أكثر دول الحوض فيما أبدعته من تحويلات لمجراه.

وهذه المرة حملت معي كتاب “القاهرة شوارع وحكايات” لحمدي خليل، والذي يأخذك مؤلفه ليحكي لك كيف تطور عمران القاهرة، بدءاً من القاهرة الفاطمية ومروراً بمصر القديمة وانتهاء بالجزر والامتدادات. أما أبرز هذه التحويلات العمرانية فتتمثل في ردم البرك، كبركة الأزبكية وتحويل مجرى الخليج المصري، بغرض تشييد أحياء القاهرة الخديوية، ولعل زوار القاهرة غير المثقفين، أو أنصاف المثقفين، لا يعلمون أن النيل إنما كان في الأصل مجاوراً لأهرامات الجيزة. وإذ أكتب إليكم هذه السطور وأنا أتناول “فطاري” مع أول إشراقة للشمس في مطعم الفندق المطل على النيل، فإن الحديث عن النهر الخالد وجسوره وعماراته الشاهقة يطول ويطول، وبالتالي آمل أن تكون لي عودة لاستكمال الخواطر عنه إذا ما سنحت لي سانحة بإذن الله.

 

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .