العدد 6446
الإثنين 08 يونيو 2026
فرجان أول... حكاية ترابط لا تُنسى
الإثنين 08 يونيو 2026

 لم تكن فرجان البحرين قديمًا، أو ما يُعرف بـ “فرجان زمن الطيبين”، مجرد مناطق سكنية كما الحال اليوم، بل كانت روحًا نابضة بالحياة وحكاية متكاملة من التلاحم والترابط الإنساني الفريد الذي يصعب تكراره في زمننا الحالي. فقد كانت هذه الفرجان، في مدن البحرين وقراها الجميلة، تحمل القيم نفسها والروح ذاتها التي جمعت أهل البحرين على المحبة والألفة والتكاتف.
ومن عاصر تلك الفترة من جيل الطيبين يتذكر جيدًا بساطة الحياة وجمالها؛ حيث كانت الشوارع والدواعيس والأزقة تعج بالرجال والنساء والأطفال، وكانت البيوت مفتوحة للجميع، والقلوب أقرب من المسافات، يعرف الناس بعضهم بعضًا، ويعرفون أبناء بعضهم وأهلهم، في صورة اجتماعية جميلة ربطت جيلاً بعد جيل. في تلك الحقبة الجميلة، لم يكن الأب يربي أبناءه فقط، بل كان أبًا لجميع أبناء الفريج أو القرية. فإذا غاب الأب الحقيقي بسبب السفر أو الانشغال، وجد الأبناء من يرعاهم ويوجههم ويحتضنهم. وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على حجم المسؤولية التي كان يشعر بها أهل الفريج تجاه بعضهم البعض. وفي المقابل، إذا غابت الأم، كانت الجارة أمًّا وحاضنة تحل محلها بكل حب وعطاء. لذلك عندما نسمع اليوم أن فلانًا وفلانًا أشقاء بالرضاعة، فإننا ندرك حجم الترابط الاجتماعي الذي كان سائدًا آنذاك، حيث كانت الأمهات يحتضنّ أبناء الفريج كأبنائهن، وقد بقي أثر هذا الترابط الأسري الجميل حاضرًا حتى يومنا هذا.
كانت الحياة بسيطة ومليئة بالمحبة والضحكات الصادقة، وكانت الأزقة الضيقة تنبض بالحياة والحركة، ومع حلول الليل يعود الجميع إلى بيوتهم، فيسود الفريج هدوء جميل بعد يوم حافل بالنشاط والألفة.  
أما في الأعياد، فكانت الفرجان شعلة من الفرح والسرور، تتحول إلى لوحة فنية جميلة تتزين بالمحبة والتواصل. كانت البيوت مفتوحة على بعضها البعض، والسعادة تملأ المكان، وكأن العيد يجمع القلوب قبل الأجساد. واليوم، ورغم تطور الحياة وتغير أنماطها، فإن تلك الروح الجميلة لم تعد حاضرة كما كانت في السابق.
ولا يمكن القول إن الماضي كان أفضل من الحاضر في كل شيء، فلكل زمن مميزاته وظروفه، إلا أن ما لا يمكن إنكاره هو أن فرجان البحرين قديمًا كانت تحمل قصة ترابط إنساني لا تُنسى، وهو ما ميّز أهل البحرين بالبساطة والطيبة والتكاتف.
تبقى “فرجان أول” قصة تُروى وذاكرة حيّة في وجدان أهل البحرين، فقد كانت ولا تزال نموذجًا فريدًا للتكامل الاجتماعي والتلاحم والمحبة. وعندما نسترجع اليوم تلك الفرجان الجميلة، فإننا لا نستحضرها بدافع الحنين فقط، بل لنستذكر القيم والمبادئ التي غرستها في نفوسنا، ولنتعلم أن إحياءها يبدأ من القلوب قبل الأماكن.
واليوم، ومع الجهود المبذولة من الجهات المختصة لإحياء هذه الفرجان وإبراز هويتها البحرينية الأصيلة، نلمس اهتمامًا واضحًا بإعادة روح الفريج من خلال البرامج والفعاليات التي تستحضر تاريخ هذه الأماكن الجميلة وقيمها الاجتماعية العريقة. وهي جهود محل تقدير من جميع أهل البحرين، خصوصًا ممن عاصروا تلك الأيام، وتمثل خطوة مهمة نحو إعادة إحياء مفهوم الفريج، ليس كمكان فحسب، بل كقيمة إنسانية واجتماعية متجذرة في المجتمع البحريني الأصيل.
كما أن هذه المبادرات تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف، ولو بجزء بسيط، على حياة آبائهم وأجدادهم، فالكثير ممن أسهموا في نهضة البحرين وازدهارها، وغرسوا قيم العمل الوطني والانتماء الصادق، خرجوا من رحم تلك الفرجان. لذلك، فإن المحافظة على هذا الإرث وإعادة إحيائه استثمار حقيقي في الهوية الوطنية واستمرارها للأجيال القادمة.
وفي الختام، “فرجان أول” ليست مجرد ذكريات أو قصص تُروى، بل مدرسة حياة جميلة بكل تفاصيلها، علمتنا معنى المحبة والتكاتف والانتماء للوطن، وغرست فينا قيمًا نبيلة ساهمت في صناعة حاضر البحرين ومستقبلها. وبينما نمضي في هذا الزمن المتسارع والمتغير، تبقى تلك القيم راسخة في نفوسنا، ننقلها إلى الأجيال الجديدة، لتظل روح الفريج حاضرة فينا مهما تغيرت الأزمنة.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية