العدد 6495
الإثنين 27 يوليو 2026
مآلات المواجهة بين واشنطن وطهران
الإثنين 27 يوليو 2026

على رغم المواجهة الساخنة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن العلاقة بين الطرفين، على مدى نصف قرن، مرّت بأطوارٍ متناوبة من التصعيد والتهدئة. واللافت أنّهما، على رغم الضجيج المتبادل وشعارات “الموت لأميركا” الجوفاء، ظلّا يحيّدان خلافاتهما كلّما تقاطعت مصالحهما الاستراتيجية، فالمصلحة الأميركية تتّجه في المحصّلة إلى احتواء إيران لا إلى إسقاط نظامها؛ تفاديا لتكرار السيناريو العراقي باهظ الكلفة. وليس المقصود هنا تحالفا معلَنا، بل تقاطع مصالح موضوعيّ كثيرا ما التقى فيه الخصمان عند عدوٍّ مشترك، حيث تُقدَّم طهران في العديد من مراكز الدراسات الغربية بوصفها نظاما متطرفا، ولكنه براغماتي يمكن التفاوض معه، في مقابل صورة “الإسلام الجهادي” المعادي للغرب، وهي صورة تخدم الطرفين معا.

وتكشف الوقائع عن أنّ العداء الإيرانيّ الشعاراتي قد غلب عليه طابع التصريح أكثر من التحرّك الميدانيّ، وفي المقابل خاضت أميركا حروبها الكبرى ضدّ خصوم إيران التاريخيّين في أفغانستان والعراق، بينما استفادت طهران من نتائج تلك الحروب، في ظلّ غيابٍ شبه كاملٍ لمشروعٍ عربيّ جامع، وهو الغياب الذي أتاح لها المتاجرة بالقضية الفلسطينية وتصدّر الساحة. ولعلّ العراق النموذج الأوضح، فبعد 2001 اقتنع المحافظون الجدد بأنّ النظام في العراق يمثّل التهديد الأكبر للأمن القوميّ الأميركيّ، فاندفعوا إلى تفكيك الدولة العراقية، لكنّ النتائج جاءت كارثية: فراغ استراتيجيّ ملأته طهران عبر أحزابها الموالية وميليشياتها المسلّحة، وصراع طائفيّ ولّد شعورا واسعا بالتهميش، فصار بيئة خصبة للتطرّف توّجها ظهور تنظيم داعش الإرهابيّ.

وهكذا وجدت واشنطن نفسها في مأزق مزدوج؛ تتحالف مع قوى موالية لإيران في العراق، وتخاصم إيران في الوقت ذاته. والنتيجة لم تكن تحالفا مستداما، بل فوضى إقليمية مكّنت إيران من التمدّد، وجعلت واشنطن تتأرجح في تحالفاتها وفق حسابات الربح والخسارة الآنية. 


وحتى حين يقع التصعيد المباشر، سرعان ما تُضبَط حدوده ويُدار بعناية، بما يعزّز فرضية المدرسة الواقعية الدبلوماسية التي مثّلها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، والتي تُقدّم السيطرة على الصراعات وضبط حدودها على حلّها النهائيّ، وهو المنهج الذي عبّر عنه حين رأى، إبّان الحرب العراقية - الإيرانية، أنّ المصلحة الأميركية تقتضي أن يخسر الطرفان كلاهما، ولذلك فإن مآل المواجهة الجارية لن يختلف عن سابقاتها.

* كاتب وأعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .