حضرت مساء الأربعاء ما قبل الماضي المحاضرة التي ألقتها بتول المهندس في جمعية تاريخ وآثار البحرين عن تاريخ التمريض في البحرين، ووجدتني منبهراً أيما انبهار بأسلوب المحاضِرة في عرض مادتها الذي سردته بشكل مركزٍ وافٍ وجذّاب، ولا غرو في ذلك فهي محاضِرة دولية، وإذ حددت مقدماً 35 دقيقة الوقت الذي ستستغرقه في عرض محاضرتها، فهو ما كان تقريباً.
وينم عرضها ليس عن قدرات وخبرات متراكمة في مجال التمريض فحسب، بل عن مهارات فائقة في الإلمام باللغتين العربية والإنجليزية، أكثر من ذلك فإنها طوال محاضرتها كانت تمتلك ناصية اللغة العربية وتتلاعب وتتفنن بمفرداتها بطريقة عذبة كما يحلو لها على نحو رائع أخّاذ. ومما لا شك فيه أن البحرين في طليعة بلدان الخليج العربي تاريخياً في بدايات وجذور نشوء مهنة التمريض، والتي تعود إلى قرن ونيف، وتحديداً منذ أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، ذلك أن مهنة التمريض مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتأسيس وبناء مستشفى الإرسالية الأميركية العريق الذي أُنشئ في 1903، والذي تم في إطار محاولات التبشير، لكن المستشفى ظل ثمرة مفيدة للعلاج والطبابة في بلادنا.
إلى ذلك فإن المحاضِرة، بالنظر لتراكم خبراتها، كانت ملمة بأدق تفاصيل هذه المهنة الإنسانية العظيمة، فلم تغفل دور جيل الرواد الذين وضعوا اللبنة الأولى، سواء الأجانب منهم - ولاسيما الهنود - أو البحرينيين، فقد عدّدتهم جميعا بتجرد وإنصاف. كما حرصت على أن تذكر دور القابلة الشهيرة “أم جان” التي وفدت إلى البحرين، وكانت في الأصل من تركيا ثم التحقت للعمل في أحد مستشفيات البصرة، كما عدّدت كل من كانت لهم أدوار ونصيب - ذكوراً وإناثاً - في الإخلاص أو التفاني لهذه المهنة الإنسانية العظيمة على مدى نحو قرن. والحق أنه لم يكن تأسيس مدرسة التمريض أواخر خمسينيات القرن الماضي إلا منعطفاً مهماً وثمرةً من ثمار ذلك التطور. والجميل في المحاضرة أن الطبيب والمؤرخ الدكتور عيسى أمين، عريف المحاضرة ورئيس جمعية تاريخ وآثار البحرين، أدلى بدلوه المفيد المكمل لما قد فات المحاضِرة ذكره أثناء سردها.
*كاتب بحريني