من أكثر الأشياء التي تضايقني انتحارُ الكثير من الشباب ماليًّا، وتسليمُهم أنفسهم للعمل لتغطية تكاليف البرستيج الذي يحاولون خلقه لأنفسهم، فتجد - على سبيل المثال - شخصًا في بداية الهيكل الوظيفي وأول الطريق يُسارع إلى بيع سيارته الاقتصادية ذات الاعتمادية الفائقة، والتي استعان بها على مشاوير الجامعة الصعبة، ليشتري سيارة جديدة، لكنها ليست اقتصادية، وليست ذات اعتمادية عالية؛ بل هي من الفئة الفاخرة جدًّا ذات العلل الكثيرة، ومعروفٌ أنها تفقد نصف قيمتها أو أكثر خلال السنوات الثلاث الأولى من الاستخدام، فهي من الأصول الهالكة بسرعة، إضافة إلى احتياجها إلى اهتمام بالغ، كما أنّ القسط الشهري ومتطلبات السيارة الجديدة تنهش معظم راتبه الشهري، فصيانتها غالية، وهي تعتمد على أنظمة تكنولوجية وإلكترونية معقّدة جدًّا تستنزف راتبه بلا رحمة، ومع ذلك تجد هؤلاء في البداية لا يعتبرون كل ذلك مشكلة، فالمهمّ بالنسبة لهم هو “البرستيج”، حتى لو بُني على الاقتراض المرهق، وهذا الفخّ متكرر، تقع فيه غالبية الشباب، وهو شيء محزن جدًّا.
إن غالبية شباب اليوم يسيطر على سلوكياتهم وضع “البرستيج” ونظرةُ الناس إليهم؛ فهي أهمّ أولوياتهم، وما ينشرونه في العالم الافتراضي هو ما يقودهم إلى فعل هذا أو ترك ذاك، فالمتأثرون بمتابعة المستوى المالي العالي ومجاراةِ كل ما يُبثّ في مواقع التواصل الاجتماعي، سقطوا في فخّ رفع مستوى الإنفاق في سلع استهلاكية. وبطبيعة الحال ستتولّد مشاكل تهدد أمنهم المالي؛ فمتعةُ تملّك السلع باهظة الثمن تُفقَد بسرعة، عكس الديون الكبيرة التي تفقدهم فرص الاستثمار أو تأمين ادخار مناسب للمستقبل والأيام السوداء، فكما في المثل الشعبي: “القرش الأبيض لليوم الأسود”، وهذه الفئة ليس عندهم لا قرش أبيض ولا قرش أسود، إنما هي ديون كالجاثوم على صدورهم لسنوات طويلة.
نحتاج اليوم إلى تعزيز الحسّ النقدي تجاه هذه السلوكيات؛ فالمطلوب زراعة بذرة الاستهلاك الواعي لدى المراهقين والشباب، ليعرفوا أنّ شراء المنتجات والسلع الفاخرة يجب أن يستند إلى مدخولهم المالي، ويمكنهم ذلك إذا حسّنوا ورفعوا مدخولهم الشهري، باستثمار مدخراتهم وتقليل إنفاقهم غير العقلاني، وبناء منطق اقتصادي قوي يوجّه حياتهم نحو الرفاه، لا أن يقتل رفاههم إلى الأبد بخياراتهم المالية الخاطئة.