العدد 6351
الخميس 05 مارس 2026
كيف هزمت البياناتُ التحصيناتِ التقليدية لتغتال قادة إيران؟
الخميس 05 مارس 2026

لم يكن ما كشفته فاينانشال تايمز عن تفاصيل عملية اغتيال علي خامنئي وقيادات ايرانية أخرى، روايةً عن صاروخٍ أصاب هدفه فحسب، بل سرديةً مكتملة عن انتقال مركز الثقل في الحروب من الميدان إلى المعالج، ومن المتراس إلى الخادم الإلكتروني. 

ففي وضح النهار، حيث يُفترض أن الضوء حليفُ الحراسة، انقلبت المعادلة: صار الضوء نفسه مادةً خامًا للبيانات، وصارت الحركة اليومية شيفرةً قابلة للفك.

هندسة “نمط الحياة”: الروتين إلى إحداثيات
تُظهر تفاصيل العملية المخططة قبل شهور أن ما سُمّي بتحليل “نمط الحياة” لم يكن إجراءً ثانوياً، بل العمود الفقري للضربة. سنواتٌ من الرصد غير المرئي حوّلت روتين الحراس الشخصيين لخامنئي ورجال دولته، ومواقيت الدخول والخروج، ومسارات السيارات المظللة، إلى خرائط احتمالية دقيقة. 

الكاميرات المرورية المخترقة، لم تعد عدساتٍ صمّاء، والهواتف الشخصية المقرصنة، صارت مجسّاتٍ تُغذي خوارزميات تتعقب تكرار العادات الشخصية والسلوكية للحراس، كما ترصد الانحراف عنها، وتستخرج من الاعتياد ثغرة، وترسلها لمراكز تحكم في واشنطن وتل أبيب.

هنا برز دور الوحدة 8200 الإسرائيلية، الذراع الاستخبارية المتخصصة في الإشارات، التي نسجت من مليارات النقاط ما يشبه “توأماً رقمياً” للمجمع المحصّن، اي أنها استنسخت المكان، وتدربت على استهدافه، فكأنه صار لوحة مشكوفة، بل قيد التحكم أيضا. 

لم يعد السؤال: أين الهدف الآن؟ بل: متى يكون في أضعف تموضعٍ ضمن نمطه المعتاد؟ هكذا تحوّل الروتين—الذي كان يُظن درعاً—إلى بصمةٍ تُقرأ، وإلى جدولٍ زمني يُستثمر.

 اقتناص “مراكز الثقل” داخل الدائرة المغلقة
لم يتوقف الأمر عند تتبع الأجساد؛ بل امتد إلى تحليل الشبكات الاجتماعية بمعناها الرياضي. من يتصل بمن؟ من يمر عبر من؟ وأين تقع عقدة القرار التي إن اهتزّت اهتزّ النسق كله؟ 

عبر نماذج الرسوم البيانية ومقاييس المركزية، أمكن تحديد “مراكز الثقل” داخل المجمع القيادي، ليس بوصفها مناصب رسمية، بل بوصفها عقداً فعّالة في شبكة التأثير.

هذا النوع من التحليل لا يكتفي برسم خريطة علاقات، بل يقيس تدفق القرار، ويستخرج نقاط الاختناق. 

وحين تُقترن هذه النتائج ببيانات الحركة والاتصال، يصبح الاستهداف قراراً حسابياً أكثر منه حدساً استخبارياً. 

التعاون الاستخباراتي الأميركي، كما أورد التقرير، أضاف طبقة تحقق وتأكيد، فالتقاطعات بين المصادر البشرية والإشاراتية منحت الإحداثيات صلابةً لا تقبل الشك.

العمى التكنولوجي: عزل الهدف قبل الارتطام
قبل أن تشقّ الصواريخ طريقها إلى طهران، كانت المعركة قد حُسمت سيبرانياً: تعطيل أبراج الهاتف المحمول في محيط الهدف لم يكن عملاً تخريبياً عشوائياً، بل “عزلًا مُحكماً” صُمم لقطع شرايين الإنذار اللحظي. في لحظةٍ حاسمة، تحولت الأجهزة إلى معدنٍ بارد، وانقطعت السلسلة التي تربط الحارس بغرفته العملياتية.

هذا “العمى التكنولوجي” خلق فراغاً زمنياً قصيراً لكنه كافٍ للقتل: لا تنبيه، لا إعادة تموضع، لا استدعاء تعزيزات. 
وفي زمن تُقاس فيه النجاة بالثواني، كانت الثواني قد صودرت سلفاً بخوارزميةٍ تعرف متى تضغط على مفتاح الإظلام.

 من الألف كيلومتر إلى “طاولة طعام”
عندما أطلقت صواريخ “سبارو” تجاه الهدف، لم تكن مجرد ذخيرة بعيدة المدى؛ كانت تتويجاً لسلسلة تحقق متراكمة. القدرة على الضرب من مسافات هائلة بدقة تصيب هدفاً بحجم “طاولة طعام” في وضح النهار تعكس ثقةً كاملة في الإحداثيات المستخلصة، وفي التكامل بين الجو والسيبراني. 

اختيار النهار لم يكن مجازفة، بل رسالة: إن من يملك صورةً أوضح لا يخشى الضوء.

في هذه العملية، لم تتقدّم الطائرات على الخوارزميات؛ بل سارت في ظلها. فالبيانات هي التي حدّدت اللحظة، وأمّنت العزل، وثبّتت الإحداثي. أما الصاروخ فكان الخاتمة المادية لقرارٍ صيغ أولاً بلغة الأرقام.

سؤال الاستراتيجية: انتصارٌ نهائي أم شهيةٌ مفتوحة؟
تكشف هذه السابقة عن تحوّلٍ عميق: لم تعد الحصون الخرسانية ولا الجدران المتعددة الطبقات ضمانةً أمام من يمتلك “خوارزمية الرؤية”. 

لكن يبقى السؤال الذي يتجاوز نشوة الدقة: هل يكفي التفوق التقني المحض—ولو كان مذهلاً—لتحقيق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى؟ أم أن الاغتيالات النوعية، مهما بلغت جراحتها، تظل انتصاراتٍ تكتيكية تُشبع شهية اللحظة وتؤجل معضلات الغد؟

في عالمٍ تتراكم فيه البيانات أسرع من الخرسانة، قد يملك الأقوى حق الضغط على الزناد. غير أن التاريخ يعلّمنا أن القدرة على الإصابة ليست مرادفاً للقدرة على الحسم. وبين “البيانات” و“التحصينات” جولةٌ حُسمت؛ أما الحرب على المعنى والمآل، فما تزال مفتوحة.

*كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .