العدد 6331
الجمعة 13 فبراير 2026
بيئة أطفال رقمية آمنة.. حزم التشريع ووعي التربية
الجمعة 13 فبراير 2026

لم يعد أطفالنا يسكنون البيوت وحدها، بل باتت لهم بيوتٌ رقمية تتجاور فيها الغرف الافتراضية كما تتجاور ألعابهم على أرض الواقع. في ذلك الفضاء السيبراني، تتشكل صداقات، وتُختبر مخاوف، وتُنسج عوالم كاملة من الخيال. 
من هنا، لم يكن خبر حجب منصة “روبلوكس” في مصر مجرد إجراء تقني عابر، بل لحظة كاشفة عن سؤال أعمق: كيف نصون جدران البراءة في زمن تتقاطع فيه السيادة التربوية مع سيولة الشبكات؟
القرار، في مآله، يفتح بابًا للنقاش بشأن فلسفة إدارة العلاقة بين الطفولة والعالم الرقمي؛ علاقة تحتاج إلى تؤدة، وإلى استشراف يتجاوز ردّ الفعل نحو بناء نسق مستدام للأمان.
التجربة العالمية تكشف تنوعًا في المقاربات. الجزائر وتركيا وروسيا تعاملت بحزم مع المنصة حين برزت مخاوف تتعلق بالمحتوى أو بالتواصل غير الآمن. 
في المقابل، قدّمت الأردن نموذجًا أكثر مرونة عبر تفاهمات تقنية مع الشركة المشغلة، استهدفت تعزيز أدوات الرقابة الأبوية وضبط آليات التفاعل. هنا تتجلى فكرة المواءمة: ليس الهدف كبح التقنية، بل إعادة هندستها بما يخدم القيم المحلية ويحفظ الأمن المجتمعي.
الرؤية القيادية.. والدرس الأسترالي 
عالميًا، تتقدم تشريعات أكثر شمولًا، كما في قانون أستراليا 2025 الذي شدد القيود على استخدام القُصَّر لمنصات معينة، ورفع منسوب مسؤولية الشركات التقنية.
غير أن جدلية المنع المطلق تظل قائمة؛ إذ يسهل التحايل تقنيًا على الحجب، بينما يصعب تجاوز وعي راسخ.
من هنا تميل الرؤية المتوازنة إلى “التمكين المشروط”: إتاحة مدروسة تقترن بإشراف أبوي فعّال، وأدوات تحقق عمرية صارمة، وسياسات واضحة لاستخدام الأجهزة في المدارس. 
فالمدرسة ليست ساحة تجريب مفتوحة، بل فضاء تربوي له خصوصيته، يقتضي انسيابية تقنية منضبطة لا فوضى رقمية. 
 دستور النمو.. خريطة عمرية للأمان 
بدلًا من خطاب التخويف، يمكن صياغة باقة إرشادية تراعي تدرج النمو:
- مرحلة المهد (تحت سنتين): طور التكوين البكري، حيث إن الشاشة غريب غير مرغوب فيه. الأولوية للحواس الحية، وللعلاقة المباشرة التي تبني الدماغ على مهل.
- الطفولة المبكرة (2 - 5 سنوات): إن حضرت الشاشة، فلتكن في سياق مشاركة وجدانية؛ يشاهد الطفل مع والديه، ويتحول المحتوى إلى حوار، لا إلى عزلة صامتة.
- سنوات النضج المتدرج (6 - 18 سنة): يبدأ الاستخدام المنضبط، بساعات محددة وقواعد واضحة، ثم يتدرج إلى استقلالية مسؤولة. إنه “الفطام الرقمي المتدرج” الذي يعلّم الاختيار قبل أن يفرض المنع.
هذا النسق لا يعادي التقنية، بل يستثمرها ضمن إطار قيمي وتربوي متماسك.
 نحو عقد اجتماعي رقمي 
قضية “روبلوكس” تذكير بأن الأمان الرقمي ليس قرارًا منفردًا، بل مشروع مجتمع. الدولة تضطلع بدور الحماية ووضع المعايير، والشركات تتحمل مسؤولية الامتثال والشفافية، والأسرة تبقى خط الدفاع الأول. 
بين هذه الأدوار، يتشكل عقد اجتماعي رقمي جديد، قوامه الوعي قبل الرقابة، والتربية قبل التقنية.
فالمنع قد يؤجل الخطر، أما الوعي فيحصّن العقول. وحين تتكامل السيادة التربوية مع الحوكمة الرشيدة، يصبح الفضاء الرقمي امتدادًا آمنًا لبيوتنا، لا ثغرة في جدرانها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .