العدد 6335
الثلاثاء 17 فبراير 2026
فاصل ونواصل
الثلاثاء 17 فبراير 2026

التعافي بالصمت، والبعد، والغياب المؤقت.. هو فاصل نأخذه عن ضجيج العالم، ثم نعود لنواصل. أحياناً نحتاج إلى تلك الوقفات الواعية التي نضع فيها حدوداً فاصلة بيننا وبين كل ما يحدث حولنا، خصوصا حين تتداخل المهمات، وتتزايد الضغوط، وتتسع الدوائر من حولنا حتى نشعر أننا عالقون داخلها، عاجزون عن الخروج بسهولة.
إن أخذ فاصل، والتوقف قليلاً، والالتزام بالصمت الذي قد يتبعه غياب يطول أو يقصر، ليست ممارسات سلبية كما يشاع، بل هي سلوكيات نفسية صحية، متى ما تمت بوعي واختيار كامل، وبإدراك صادق أنها مرحلة تعاف وتشاف، واسترجاع للطاقة، وبناء لروح أكثر تماسكاً.
وهذا الأمر لا يرتبط بالضرورة بوقوع الخيبات أو الصدمات الكبرى فقط، بل أحياناً يكون الروتين اليومي ذاته مرهقاً، إذا استمر على الوتيرة نفسها وتحول تدريجياً إلى عامل ضغط واستنزاف. فالتكرار دون تجديد، والاستمرار دون فواصل، قد ينهك النفس بصمت.
إن المسافات التي نضعها بيننا وبين الآخرين، أو بيننا وبين الأدوار المتعددة التي نؤديها، طالما كانت نابعة من إدراك ووعي، فهي حالة صحية جداً؛ لأنك في تلك اللحظة اخترت نفسك قبل أن تستنزف أكثر، واخترت العناية بذاتك قبل أن تفرض عليك الراحة قسراً. ليس كل صمت حزناً، وليس كل غياب اكتئاباً، وليس كل بعد مؤشراً على الفشل. أحياناً يكون الصمت لغة شفاء، ويكون الغياب إعادة ترتيب، ويكون البعد حماية للنفس لا انسحاباً من الحياة.
فالروح، كالجسد، تحتاج إلى عناية متكاملة، وإلى فواصل نلتقط فيها أنفاسنا، ونراجع ذواتنا، ونعيد شحن طاقتنا. ولا ينبغي إهمال تلك الوقفات التي نحتاجها بين الحين والآخر. هو فاصل.. ثم نعود لنواصل، لا لأننا هربنا، بل لأننا تعافينا.

كاتبة وأخصائية نفسية بحرينية
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .