العدد 6331
الجمعة 13 فبراير 2026
“ذهب” .. مع الريح
الجمعة 13 فبراير 2026

ليس اسمًا مستجدًّا لفيلم هوليوودي مثير، لكنه حالة معدن أكثر من صعب وأقل من مستحيل، معدن حيّر علماء الاقتصاد، وخبراء صناديق الاستثمار والتحوط والمال الدوليين، فجأة ومن دون مقدمات ومنذ ما يقرب العام وهو يغازل سقوفًا “ما أنزل الله بها من سلطان”، وهو يعاند قواعده التقليدية التي يرتكز عليها قبل أن يتجه نحو منصات الانطلاق، عام على وجه التقريب وهو يحقق القفزة تلو الأخرى، والرقم القياسي بعد الآخر، حتى انبرى أحد خبراء المال المخضرمين في تصريحات صحافية سابقة معي مشعلًا عود ثقاب لنوع نادر من التبغ وهو يتأمل أسعار الذهب في المستقبل، حينها وجدته يفجر أمامي رقمًا مذهلًا ،وهو عشرة آلاف دولار للأوقية قبل حلول عام 2028، أي قبل الـ2030 بنحو سنتين.
الأسباب لم تكن في بطن الشاعر، حيث الخبير المصرفي الذي آثر التخفي برر ذلك بانهيار الدولار، بتردي أوضاعه بعد “لعبة السلم والثعبان” التي يجيدها ترامب مع الرؤساء المتعاقبين لـ”الفيدرالي الأميركي”، الخبير المصرفي تمادى في خيالاته المخيبة لآمال الدولار فينا بأن ترامب أصبح لا يخفي على الناس سرًّا عندما يصرح بأن عملته الورقية يتم في الوقت الحاضر طباعة ثلاث ورقات منها أمام كل ورقة، بمعنى أن التضخم الذي تعززه مقولة قديمة بأنه الحالة التي تتجلى عندما تطارد كمية غير محدودة من النقود، كمية محدودة من السلع، هنا يترسخ المفهوم، وهنا يتنبأ الخبير المالي أو المصرفي بأن الضربة القاصمة سوف تصيب العملات الرقمية كأول الضحايا وأكثرها انكشافًا على الفوضى المالية العالمية.
في ذلك الوقت لابد وأن تنبري التوقعات لتؤكد أنه مع زيادة طباعة الدولار الأميركي سوف ترتفع معدلات التضخم، وأن الملاذ التقليدي الآمن للأمم دائمًا ما كان وسيظل هو معدن الذهب الأصفر النقي، وليس ذلك المُصنع صينيًا باستخدام تكنولوجيا “التخلق” الفائقة. رغم النقاوة، ورغم التماهي مع نفس الخواص، ورغم توحد الذهب الصيني مع الذهب الطبيعي، إلا أن الذهب الطبيعي سوف يترنح بكل تأكيد، تارة بسبب سحب الأرباح التي تحققت، وأخرى عندما يكون الدولار “الكاش” في الأسواق أكثر من قيمته الحقيقية بمقدار ثلاثة مرات، وربما ترتفع النسبة إلى ستة أضعاف. رغم ذلك، تراجع سعر أوقية الذهب في الأسواق العالمية من 5400 دولار إلى نحو 4700 دولار قبل أن يستعيد توازنه خلال الأيام القليلة الماضية ليلامس رقم الـ5,062 دولارًا للأوقية الواحدة.
يقولون: لقد “ذهب مع الريح” تناصًّا أو توازيًا مع الحالة الدولارية والضربات القاصمة الصينية، لكن الأكيد أن مفترق الطرق الذي وضع المعدن النفيس أمام الريح الضارية القادمة من السياسة وتهجينها مع الاقتصاد، هو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط لتعزز مكانة المعدن الأصفر مجددًا، نفط برنت يغازل الـ70 دولارًا على استحياء، وسلة نفوط تكساس تتجاوز الـ64 دولارًا “عيني عينك” ومن دون تردد أو خجل أو تهديد لكائن من كان.
على أية حال، المعدن الأصفر لن يصلح بعد اليوم كـ”شبكة عروس” قبل ليلة زفاف، طالما أنه أصبح عملة مأوى أمان على المحك ربما يجد في الأمر جديد لا تحمد عقباه ربما. بالنتيجة، فإن من “جد وجد” سيصبح شعارًا مرفوعًا على لوحات ومنصات التداول في أسواق الأوراق المالية والبورصات العالمية والإحداثيات الرقمية.
“كل من عليها فان” .. صحيح بلا شك ودون جدال، لكن إلى أي مدى يمكن أن يفني معدن الذهب نفسه بنفسه، وإلى أي تاريخ يمكن أن يعود الزمن إلى الوراء ليسجل 800 أو 700 دولار أو أقل وهو السعر المعتمد في ثمانينيات القرن الماضي؟ السؤال ضروري، ويفتح المجال للتكهنات، في حين تبدو الأسعار أشبه بلعبة “الدومينو” التي عندما تغلق برقمين متشابهين فإن المتصارعين على الرقم الفلكي، أو الربح الوفير سوف يضطران لبدء جولة جديدة من النزال “الشريف” على طاولة خالية من كل شيء إلا من كوب شاي “على المزاج”، وربما من متابعة حثيثة على شاشة فضائية وهي تعلن “الذهب .. ذهب مع الريح”،  والريح تأتي بكل ما لا تشتهيه السفن.

* كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .