العدد 6328
الثلاثاء 10 فبراير 2026
“بِيْخُوش في الشاكابيلا”
الثلاثاء 10 فبراير 2026

كثيرون استمعوا قبل أشهر لتعليق الفلاح المصري البسيط “عمُّو جمعة” على معنى الصاروخ الفرط صوتي. ولأن هذا الفلاح كان يتحدث بطبيعته، فقد وصفه بلهجته المصرية العامية المألوفة. استلَّ الرجل تعريفه للصاروخ من جنسِ لفظه، فقال إن تسميته بالفرط صوتي، جاءت لأن هذا الصاروخ “ما بفرَّطش في حَأُّه، بِيِنْتِش الي جاي والي رايح”. ثم قال إن هذا الصاروح: “ملاوع، ما بِيِنْشَافْش، وإنْ شِفْته ما بِيِنْمِسِكْش، وإنْ مِسِكْتُه ما بِيِنْفِجِرْشْ”. لكن الكلمة الأهم التي قالها هذا الفلاح البسيط إن هذا الصاروخ “بِيْخُوش في الشاكابيلا”! وهي كلمة مصرية عامية مجازية تعني إصابة الهدف.
من حديث هذا الرجل وددتُ أن أتناول اللهجات العامية، ودورها في التواصل البشري. فاللهجة هي أي تنوع لغوي يُميز مجموعة من المتحدثين داخل لغة ما. وتشير أبحاث باربرا هدسون وهي تتحدث عن الكاتبات الأميركيات من أصل أفريقي، بأن المستخدمين للغة العامية يُظهرون نتاجًا أكثر إبداعًا؛ والسبب في ذلك هو أن العامية أكثر اتساعًا لتوكيد القول، إذْ يُمكن للمتحدث التلاعب بألفاظها بوعي، أو كما يسميها دانتي بـ “كرم العامية”، فيستخدم النفي المُتعدد لخلق التوكيد، على الرغم من أنه نَفي!
صحيح بأن اللغة الفصحى هي لغة الفلسفة، والقانون، والأديان، والعلوم، والوثائق الدبلوماسية، ومن المهم أن ندعم مكانتها، لكن ظلَّت اللهجات العامية الأكثر حضورًا على التقلُّب في أفواه الشعوب، وابتكار الألفاظ القادمة من البيئة، واستخدامها في لغة المنزل، والعشق، وكل ما هو خاص ومحكي. وهذه هي حياة البشر الطبيعية واليومية، التي تستحوذ على أغلب ساعات وأيام الناس.  
وبمناسبة هذا القول، من المهم الإشارة إلى أن العامية ليست جميع كلماتها خارج سَمْت أصول اللغة العربية، أو أنها حروف مسكوكة كيفما اتفق، بل إن كثيرًا منها له جذور في اللغة الفصحى. وقد أحصيت العشرات من كلمات عاميتنا البحرينية التي ظهر لها أصل في قواميس اللغة، في حين كان الكثيرون - ومع الأسف - يُردِّدونها في وسائل التواصل الاجتماعي للتندُّر والضحك.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .