العدد 6314
الثلاثاء 27 يناير 2026
مزاد الأسرار
الثلاثاء 27 يناير 2026

بين عامَيْ 1824م و1849م (ربع قرن) أقام رجل فرنسي علاقة غير شرعية مع سيدة فرنسية في باريس. خلال تلك الفترة كانت بينهما رسائل متبادلة بلغت 1500 رسالة، تمَّ حفظها في صندوقَين. قبل وفاته بـ 14 عامًا أوصى الرجل ابنته بالتالي: “بعد وفاتي، يُسَلَّم هذان الصندوقان كما هما إلى السيدة (الفرنسية). وأوْكِل هذه المهمة تحديدًا إلى ابنتي”. ثم وقَّع أسفل النص وأرَّخه: سبتمبر 1857م.
لكن الرسائل لم تُسَلَّم إلى تلك السيدة الفرنسية بعد وفاة الرجل في عام 1871م، وظلت محبوسة في الصندوقين إلى أن تمَّ اكتشافها عندما أُغلق منزله في عام 1996م، أي بعد قرن وسبعة عقود،  ثم أُودِعَت هذه الرسائل في مكتب السجل المدني لمحكمة السين، حيث بقيت هناك إلى أن نُقِلت إلى أرشيف باريس.
المهم من تلك القصة هو تعليق القاضي الفرنسي عندما فُتِحَ الصندوقان أمامه لأول مرة، واطلع على محتوى الرسائل، فقد كَتَبَ ما يلي: “نظرًا إلى أن الجزء الأكبر من هذه الأوراق من شأنه أن يُلحق الضرر بسمعة ومكانة عدد من الأشخاص، نُعلن أن جميعها (أي الرسائل) ستظل مودعة في مكتب السجل الخاص بالمحكمة، إلى أن يُتخذ قرار آخر بشأنها”.
تعليق القاضي هو درس قانوني وأخلاقي في ذات الوقت. فليس الموضوع مرتبطا بتقادم ما جرى بين ذلك الرجل وتلك السيدة، منذ أكثر من 170 عامًا، وفي مجتمع حضور الدين فيه محدود، وليست لديه حساسية اجتماعية كما هي موجودة في دولنا، بل إن الأمر مرتبط بمبدأ حفظ السمعة الأكبر لأشخاص غير مباشرين، ليست لهم علاقة بأصحاب القضية سوى الدَّم.
فالناس لهم حيثياتهم العائلية، وهي الجهة التي يُعرَفون بها داخل النظام الاجتماعي، وبالتالي فإن تناول أية سلوكيات “خاطئة” أمام الملأ وليس في المحاكم يلحق الضرر بالوعاء الاجتماعي الأكبر، وهي العائلات التي ينتمون إليها، بل وتُدمَّر حتى الثقة في البُنَى الاجتماعية القائمة، وينخفض مستواها الأخلاقي عند الرأي العام، ونحن نعيش في وسط محافظ يعرف الناس فيه بعضهم بعضًا بشكل كبير.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .