العدد 6293
الثلاثاء 06 يناير 2026
الصَّامتون في التاريخ
الثلاثاء 06 يناير 2026

قبل فترة أثارت المؤرخة الهندية منيني شاترجي نقاشًا حول ما أسمته بـ “إعلام المجال العام”. استدعت شاترجي تجربتَين عاشتهما الهند، الأولى في عام 1977م إبَّان حكم أنديرا غاندي، والثانية في عام 2004م مع أتال بيهاري فاجبايي. كِلا التجربتين أدتا إلى خسارة سياسية. فـ “غاندي” خسرت أمام جاناتا، وفاجبايي خسر في شعاره “الهند المتألقة” أمام “المواطن العادي”. وتُرجِع شاترجي السبب إلى غياب صوت الفرد العادي المُهَمَّش، فقُضِمَ جزء من وجه الحقيقة. لقد كان هناك مُتحدثون قليلون، وصامتون كُثُر، إذْ لم تعد قصص الناس العاديين حاضرة أمام غاندي، وفاجبايي، فأصبحا في عالَمٍ أشبه بالافتراضي، لا يلامس الواقع. تُثبت التجارب أن أؤلئك الصامتين يتكرَّرون في كل مجال تقريبًا. من بين تلك المجالات التي يغيبون عنها هي في كتابة التاريخ. ولو أرجعنا تدوين الأحداث إلى ذات المعادلة، سنجد أن مَنْ كَتَبَ رواية البشرية هم قِلَّة، وأن مَنْ يملكون روايات أخرى عن واقع الحياة ذاتها هم أكثر، لكن رواياتهم ظلت حبيسة بين جدران الصمت. ولا يوجد تفسير أبعد من امتلاك أولئك “القلَّة” للفرصة، وغيابها عن “الكثرة” كونهم أشخاصًا عاديين. لذلك، لم يعد التاريخ يمثل الحقيقة، بل هو أشبه بالافتراضي.
خلال العقود الأخيرة، بدأت العديد من الجامعات الغربية تذهب باتجاه تقوية دراسات ما يُسمَّى بالتاريخ الشفهي؛ لاعتقادهم أن “كل التاريخ كان في البداية شفهيًّا”. فالدقة اﻟﺘﺎرﻳﺨﻴﺔ ﻫﻲ أﺑﻌﺪ ﻣﻦ إدراك اﻟﺒﺎﺣﺜﻴﻦ ﻓﻘﻂ، بل هي أيضًا عند الناس العاديين، كونهم ﻳﻤﻠﻜﻮن جزءًا مهمًّا من اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺔ، إلاَّ أن أقدار الزمن، جعلتهم مُهمَّشين. والحقيقة، أنه وعندما يتحدث هؤلاء، فإنهم يتحدَّون اﻟﺴﺮديات السائدة؛ لأنهم سيقدمون شهادة مختلفة عن التاريخ وأحداثه وشخوصه. 

اليوم يوجد في متحف الحرب بـ نيو أورلينز في ولاية لويزيانا، 7000 تاريخ شفهي، تنسج رواية لم تُسجِّلها الوثائق، ولا تقارير المسؤولين. وقد أحصيتُ أكثر من ستين جهة وجامعة في الولايات المتحدة الأميركية، لديها مؤسسات تعمل في مجال تدوين التاريخ الشفهي، وكلها جامعات مرموقة.
إن توثيق الماضي، وأساليب الحياة، وسلوكيات الناس، من المُهَمَّشين، يرسم وجهًا آخر للحقيقة.
 
كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية