حين تختار دولة نامية أن تجعل من التمويل الخارجي ركيزة لمسارها التنموي، فإنها لا تقترض فحسب، بل تخوض رهانًا واعيًا على كفاءة مؤسساتها، ونضج إدارتها، وقدرتها على تحويل الدَّين من عبءٍ مؤجل إلى أداة إنتاج. هكذا تراهن فيتنام اليوم على إدارة محسوبة للقروض، وهي تسعى لتأمين 5.5 مليارات دولار أميركي خلال عام 2026، وفق إفادة نائب وزير المالية تران كوك فونغ، لا لسد فجوة طارئة، بل لإعادة هندسة مسار التنمية، وتسريع الاستثمار العام، وتجاوز اختناقات البنية التحتية، في اختبار حاسم لتحويل المخاطرة المالية إلى فرصة تنموية مستدامة.
غير أن هذه القروض ليست مجرد أرقام في دفاتر وزارة المالية، بل هي ترجمة مباشرة لأزمة بنيوية في منظومة التنفيذ. فوفق بيانات الحكومة الفيتنامية، لم تتجاوز نسبة صرف القروض التنموية في عام 2025 نحو 35.27 %، بسبب تعقيدات عقارية، وتأخر إعادة توطين السكان، وتشابك الإجراءات البيروقراطية، وطول مفاوضات التمويل. وهي اختناقات تعكس مفارقة التنمية في الدول الصاعدة: سرعة التخطيط تقابلها بطء في الإنجاز، وكأن الاقتصاد يركض بينما الإدارة تمشي بحذر.
ومن هنا، تبدو القروض الخارجية أشبه بجسر معلّق فوق وادٍ إداري عميق، لا يضمن العبور الآمن ما لم تُعاد هندسة منظومة الحوكمة والتنفيذ. فالبنك الدولي يقدّر حاجة فيتنام السنوية إلى استثمارات بنية تحتية تتراوح بين 25 و30 مليار دولار للحفاظ على زخم النمو وتحسين تنافسية الاقتصاد. أما البنك الآسيوي للتنمية فيحذّر من أن فجوة التمويل، إذا لم تُسد، قد تتحول إلى كابح طويل الأمد للتنمية الإقليمية.
وفي هذا السياق، يطل الخليج العربي بوصفه شريكاً محتملاً لا يقل أهمية عن المؤسسات الدولية. فالصناديق السيادية الخليجية، التي تدير أصولاً تتجاوز 4 تريليونات دولار، تمتلك من الخبرة في تطوير الموانئ، والمدن الذكية، والطاقة، والنقل، ما يؤهلها للعب دور نوعي في المشاريع الفيتنامية الكبرى. والفرق هنا جوهري بين تمويل يمر عبر قنوات بيروقراطية بطيئة، واستثمار مباشر يصنع القيمة ويختصر الزمن ويعزز النفوذ الاقتصادي طويل الأمد.
لكن الرهان لا يظل اقتصادياً محضاً. فالبنية التحتية في فيتنام ليست فقط جسوراً وطرقات، بل إعادة توزيع للفرص بين الريف والمدينة، ومحاولة جادة لردم الفجوة الاجتماعية التي اتسعت بفعل النمو غير المتكافئ. ومع تعداد سكاني يتجاوز 100 مليون نسمة، ونسبة شباب مرتفعة، تتحول كل طريق جديدة وكل محطة طاقة إلى مشروع استقرار اجتماعي بقدر ما هي استثمار اقتصادي.
في نهاية هذا المسار، يتجلى الرهان الفيتنامي على الاقتراض بوصفه خيارًا محسوبًا لا مقامرة مالية، حيث تحوّل الإدارة الواعية القروض من عبءٍ مؤجل إلى أداة لإعادة تشكيل النمو والاستقرار الاجتماعي. وعلى هذا المفترق، يبرز الخليج شريكًا طبيعيًا عبر الاستثمار ونقل الخبرة، ليغدو التمويل جسرًا تنمويًا يعيد رسم ملامح المستقبل المشترك.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور