العدد 6311
السبت 24 يناير 2026
ميانمار.. حين تصوّت السياسة ضد المعيشة
السبت 24 يناير 2026

ليست الانتخابات الجارية في ميانمار مجرد حدث سياسي محلي في دولة بعيدة عن الخليج، بل اختبار مباشر لعلاقة معقّدة بين الشرعية السياسية وكلفة العيش اليومية، وبين صندوق الاقتراع وسعر الخبز.

فمنذ نهاية عام 2025، دخلت البلاد مرحلة انتخابية مثيرة للجدل قوبلت برفض إقليمي ودولي، انعكس أثرها سريعًا على اقتصاد هش أصلًا، وعلى مجتمع يدفع ثمن الصراع بلغة الأرقام لا الشعارات.

هذا الرفض، الصادر عن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي تُعدّ ميانمار عضوًا فيها، بعدم إرسال مراقبين وعدم الاعتراف بالعملية الانتخابية، لم يبقَ محصورًا في الإطار الدبلوماسي.

فاقتصاديًا، يُترجم غياب الشرعية إلى ارتفاع المخاطر السيادية، وزيادة كلفة التمويل، وانكماش الاستثمار، وهو ما يفسّر استمرار عزلة ميانمار عن قنوات التمويل الدولية رغم عضويتها الإقليمية.

في هذا السياق، تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لميانمار في 2025 لم يتجاوز نحو 60.5  مليار دولار ، مع نمو متوقع في 2026 بحدود 3 % فقط، وهو نمو ضعيف مقارنة بما كانت تسجله البلاد قبل 2021.

الأخطر من ذلك أن التضخم مرشّح للبقاء قرب 28 %، ما يعني تآكلًا حادًا في القوة الشرائية وازدياد الضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

لكن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند مسألة العملة. فالقيود الصارمة على النقد الأجنبي، واستمرار العجز في الحساب الجاري المقدر بنحو 1.2 % من الناتج المحلي، ساهما في تعميق ضعف العملة المحلية، ورفعا كلفة الاستيراد، ولا سيما الغذاء والطاقة، ما انعكس مباشرة على مستويات المعيشة وزاد الأعباء اليومية على الأسر والقطاعات الإنتاجية.

ومن هنا، تنتقل الأزمة من أروقة السياسة إلى موائد البيوت.

فالانتخابات، بدل أن تكون جسر تهدئة، تحوّلت إلى عامل عدم يقين اقتصادي، دفع المستثمرين إلى التجميد أو الانسحاب، وأجبر الدولة على الارتماء أكثر في أحضان شراكات ضيّقة بشروط قاسية، خصوصًا مع الصين، حيث تُقدّر نسبة كبيرة من الديون الخارجية لميانمار بأنها ثنائية المصدر.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ الخليجي؟ يعني، أولًا، أن تجربة ميانمار تذكير عملي بأن الاستقرار السياسي ليس ترفًا أخلاقيًا أو شعارًا دبلوماسيًا، بل شرطًا أساسًا لأي نمو اقتصادي مستدام.

ويعني، ثانيًا، أن دول الخليج الساعية إلى استثمارات زراعية وغذائية خارج حدودها مطالَبة بقراءة المخاطر السياسية والمؤسسية بعمق، لا الاكتفاء بالأرقام المغرية.

وأخيرًا، يوضح هذا المشهد أن الاقتصاد لا يعمل في فراغ، وأن تجاهل الشرعية يضاعف الكلفة على الدولة والمجتمع معًا.

وهكذا، تعود ميانمار إلى سؤال أوسع وأعمق: هل يستطيع الاقتصاد أن يتنفس فيما السياسة تحجب عنه الهواء؟ إنه سؤال لا يخص ميانمار وحدها، بل يطول كل دولة تراهن على النمو دون أن تحسم علاقتها بالثقة والشرعية والاستقرار المؤسسي.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون 

منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية