تبدو رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) للقارئ الخليجي فضاءً اقتصاديًا بعيدًا، لكنها في الواقع أقرب مما يوحي به البعد الجغرافي؛ فالتجربة “الآسيانية” لا تختزل في أرقام النمو، بل في إدارة التحول الاقتصادي داخل مجتمعات متنوّعة دون الإخلال بالاستقرار؛ ما يجعلها جديرة بالتأمل مع مطلع 2026.
تضم “آسيان” إحدى عشرة دولة تختلف في الدين واللغة ومستوى الدخل والنظام السياسي. ورغم هذا التفاوت، حافظ التكتل على مسار نمو متماسك. وتُظهر إحصاءات إقليمية أن الناتج المحلي الإجمالي لدول “آسيان” مجتمعة يقارب 3.8 تريليونات دولار أمريكي في العام 2024، مع متوسط نمو يتجاوز 4.5 بالمئة سنويًا. معنى هذه الأرقام لا يتوقف عند حجمها، بل يتصل بقدرة المنطقة على استمرار أداء اقتصادي مستقر نسبيًا رغم التحديات الخارجية.
هذا الاستقرار جعل “آسيان” من أكثر المناطق تأثرًا بالتحولات التجارية العالمية في 2025؛ فعودة الخطاب الحمائي في الولايات المتحدة وإعادة التلويح بالرسوم الجمركية دفعت الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم سلاسل التوريد، ليس عبر إغلاق مصانع ونقلها بالكامل، بل عبر توزيع مراحل الإنتاج على أكثر من دولة لتقليل الاعتماد على مسار واحد. في هذا السياق، استفادت دول مثل فيتنام وماليزيا وتايلاند وإندونيسيا من توسيع طاقتها الصناعية القائمة واستقطاب استثمارات جديدة، ضمن استراتيجية تنويع المخاطر وتقليل الاعتماد على مسارات تصنيعية واحدة.
وفي هذا الإطار، عزّز دخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة حيّز التنفيذ الكامل موقع “آسيان” داخل أكبر ترتيبات التجارة الحرة في العالم؛ ما سهّل حركة السلع والاستثمار داخل التكتل ومع شركائه. وتشير أحدث البيانات إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دول “آسيان” بلغت نحو 230.8 مليار دولار أمريكي، مع تركيز ملحوظ في البنية التحتية والموانئ والتصنيع والخدمات اللوجستية؛ ما يعكس الدور المتنامي لـ “آسيان” كمحور تجاري في الاقتصاد العالمي.
وفي موازاة ذلك، اتسع الاقتصاد الرقمي داخل “آسيان” كمسار داعم لا بديل، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 60 بالمئة من الوظائف الجديدة في المنطقة ستنشأ في مجالات الاقتصاد الرقمي والخدمات، في إطار يوازن بين التطور التقني ومتطلبات سوق العمل.
وانطلاقًا من هذا المسار التراكمي، جاءت رئاسة ماليزيا لـ “آسيان” في العام 2025 لتكريس دور التكتل كمساحة توازن اقتصادي؛ ففي 27 مايو 2025 انعقدت في كوالالمبور قمة جمعت “آسيان” ومجلس التعاون الخليجي والصين، لم تُطرح كتحالف سياسي جديد، بل كإطار تنسيقي يركّز على التجارة والاستثمار والطاقة والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تهم الخليج بوصفه شريكًا في الطاقة والغذاء والتمويل.
مع مطلع 2026، تأتي هذه القراءة إطلالة هادئة على مسار تتقاطع فيه “آسيان” والخليج في بناء مصالح طويلة الأمد، ضمن مقاربة اقتصادية عملية تحكمها الحسابات الواقعية والتوازنات السياسية المشتركة، بعيدًا عن الاندفاع والضجيج.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون
منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور