في دولة صغيرة مثل بروناي، لا يلفت الأنظار إلا ما يحمل جرأة مختلفة. ففي العام الماضي، دشّنت السلطنة مشروعًا رائدًا لاستزراع الروبيان يعتمد كليًا على الطاقة الشمسية ويُدار بأنظمة ذكاء اصطناعي، ليقدّم نموذجًا يجمع بين الغذاء النظيف والطموح البيئي. ليست الفكرة أحواضًا مائية، بل رؤية عملية تستبدل الانبعاثات بضوء الشمس، وتحول البحر إلى مختبر ابتكار مدفوع بالبيانات، قابلة للتكرار في اقتصادات صغيرة.
هذا المشروع القائم قرب ميناء موارا يهدف إلى إعادة رسم معالم الاقتصاد الريفي في بروناي، إذ لم يعد الصياد محصورًا في الشباك والأمواج، بل أصبح جزءًا من منظومة ذكية تراقب المياه لحظيًّا، وتحلل البيانات، وتتنبأ بالأمراض قبل ظهورها. وهنا يتشكل أثر اجتماعي عميق: توفير وظائف نوعية للشباب الريفي، وتقليص نزيف الهجرة نحو المدن، وبناء مسار تنموي يربط المعرفة بالإنتاج، ويُحسِّن مداخيل الأسر عبر مهارات تقنية قابلة للنمو. كما يُتوقع أن تُنشأ برامج تدريب وشهادات مهنية لرفع كفاءة العاملين وإدماجهم في سلاسل قيمة إقليمية.
اقتصاديًا، تبدو الأرقام متواضعة لكنها واعدة. فصادرات الروبيان والجمبري المجمّد بلغت نحو 10 ملايين دولار سنويًا، فيما قُدِّرت صادرات الروبيان الأزرق بحوالي 16 مليون دولار في 2023. هذه القيمة الصغيرة مقارنة بفيتنام أو تايلاند تخفي ميزة تنافسية واضحة: بروناي لا تراهن على الكم، بل على النوع. فهي تجمع بين الابتكار التقني، والاستدامة البيئية، واعتماد «الحلال» كختم ثقة يفتح أبواب أسواق الخليج والعالم الإسلامي، ويمنح المنتج قصة منشأ نظيفة يسهل تسويقها. وإضافةً إلى البيع خامًا، يتيح التصنيع الخفيف (من تقشير وتنظيف وتغليف مبرد) رفع هامش الربح واستهداف منافذ تجزئة راقية وأسواق طيران وتموين فنادق.
الاستدامة هنا ليست ترفًا بل التزامًا قابلًا للقياس. فالحديث عن «صفرية الكربون» يتناغم مع هدف وطني للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2050، عبر الطاقة الشمسية وإدارة الموارد بكفاءة وتقليل الفاقد. ومع أن تفاصيل آليات التحقق ما زالت مطلوبة، فإن اتجاه المشروع يرسل رسالة سياسية ودبلوماسية مفادها أن التنمية الاقتصادية لم تعد منفصلة عن البيئة، بل متشابكة معها ومُساءلة بمعايير شفافة. وسيعزّز اعتماد إطار واضح للقياس والتحقق والإفصاح ،وإشراك طرف تدقيق مستقل من ثقة المشترين المؤسسيين.
هنا يتضح المعنى للخليج؛ إذ يمكن لدوله، في مواجهة الأمن الغذائي وتغير المناخ، أن ترى في بروناي شريكًا صغيرًا استراتيجيًا. الاعتراف بشهادات الحلال، وتوريد الروبيان المبرد، والتعاون الأكاديمي والزراعة الذكية، مسارات قيمة. والاستثمار الخليجي في سلاسل التبريد واللوجستيات يحول التجربة إلى منصة تصدير بعقود طويلة الأجل تضمن استقرار الأسعار والمخاطر.
تدشين مزرعة الروبيان الخضراء في بروناي تطور يعيد تعريف العلاقة بين الغذاء والبيئة والاقتصاد، ويجعل إعادة رسم الريف نموذجًا للتجارة الحلال المستدامة، وفرصة لشراكات اقتصادية-بيئية ذكية تربط الخليج بجنوب شرق آسيا.