العدد 6299
الإثنين 12 يناير 2026
رفع التسامح إلى منزلة الحق المحمي بالقانون
الإثنين 12 يناير 2026

 الجميع يتحدث اليوم عن التسامح وحقوق الإنسان والأخوة إلى آخر سلسلة الشعارات الرنانة، حتى أن بعض المنادين بالتسامح والأخوة والمحبة نجدهم من بين غلاة المتعصبين والعنصريين.. ومع ذلك فإن التسامح حتى في حال توافره، يرتبط في الغالب بنوع من العلاقة بين القوي والضعيف، بين الأكثرية والأقلية، ويتخذ معنى العفو عند المقدرة.. والذي هو من شيم الكرام، مع أن التسامح في الثقافة العربية الإسلامية محمي بمبادئ الدين وقيمه الثابتة، استنادًا إلى مرجعية “التكريم الإلهي للإنسان” بغض النظر عن دينه ومذهبه، معززًا بمبدأ جوهري هو “لا إكراه في الدين”. فالتسامح هنا يتخذ (أو يجب أن يتخذ) معنى استيعاب الآخر ضمن إطار الاعتراف بوجوده كإنسان وكجزء من سنن الكون، تمامًا مثل تصنيف الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للخلق على نحو يعبر عن هذا المنحى: (إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)، معبرًا عن أسمى القواعد الإنسانية والقيم في التعامل مع البشر ضمن منطق الحقوق والكرامة بغض النظر عن انتماءاتهم. وهذا يعني أن هناك أسسًا صلبة في ثقافتنا العربية – الإسلامية يمكن إذا ما تم الالتزام بها، أن تحقق الحماية لحق الاختلاف وقيم التعايش المشترك. ولكننا في الواقع لا نزال تحت سقف التوقعات، بعيدين عن تلك القيم التي نرددها، غير قادرين حتى على تقبل الاختلافات فيما بيننا، فكيف سنكون قادرين على القبول باختلافاتنا مع الآخرين من خارج دائرتنا الثقافية.. مع أن التدين والإيمان ضمن هذه الدائرة يعززان قيم التسامح والتضامن بين بني البشر.
ومع أهمية هذه التصور الإسلامي، فإن المطلوب أيضًا أن يتم رفع التسامح من مجرد فضيلة أخلاقية أو منّة يتم التفضل بها، إلى منزلة الإلزام الدستوري والقانوني، مثلما هو الأمر في العديد من البلاد الأوروبية.
وضرورة العمل على التوفيق بين معتقداتنا وروح التسامح والتعايش والقبول بالآخر، وأن يتم دمج ذلك في دورة الحياة العامة في المجتمع والفضاء المدرسي والأكاديمي والثقافي، بتأكيد مبادئ التعددية واحترام التنوع وضمان احترام الكرامة الإنسانية وحرية المعتقد والرأي للجميع في إطار القانون.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .