العدد 6290
السبت 03 يناير 2026
الملخص الرفيع في الأدب الياباني البديع!
السبت 03 يناير 2026

الحلقة الثانية!

عنوان العمل الأدبي:
مسير في دروب الظلام !

نبذة عن الكاتب والعمل :
نُشِر هذا العمل في الفترة ما بين عامَي 1937 و1938 (السنتين الثانية عشرة والثالثة عشرة من عصر شوا في اليابان).
صدر عن دار النشر اليابانية "كايزو شا" (Kaizōsha).
مؤلف العمل هو الكاتب الياباني شيغا ناويا، الذي وُلد عام 1883 وتُوفي عام 1971، ويُعدّ من أبرز الأدباء اليابانيين الذين نشطوا خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ملخص العمل :

يُروى أنَّ كِنساكو توكيتو قضى طفولته في بيتٍ واسعٍ بحيّ هونغو في طوكيو، تحيط به أرواح الخدم وجدران الثراء، لكن قلبه كان منذ البدء مُهيَّأً لليُتم والوحدة.

ففي سنّ السادسة رحلت أمّه عن الدنيا، وما إن مرّ شهران على موتها حتى طرق جدّه باب البيت على غير ميعاد، فأخذ الصبيّ الثاني من بين إخوتِه، واقتاده إلى بيتٍ صغيرٍ عتيق في حيّ نِغيشِي في المدينة السفلى، حيث لا يسكن إلا الجدّ وامرأة شابّة في الثالثة والعشرين أو الرابعة والعشرين تُدعى أُوئي.

في ذلك البيت الضيّق، بعيدًا عن سعة هونغو، كبرت أيام كِنساكو بين يدي أُوئي؛ كانت له أمًّا ثانية، تغذّيه بصبرها ودفء عنايتها، حتى بلغ السابعة عشرة وهو يذهب كل صباحٍ إلى مدرسته الثانوية القديمة، ثم يعود مساءً إلى ذلك المسكن المتواضع الذي صار عالمه الوحيد.

وحين بلغ الثالثة والعشرين ردّته الأقدار إلى بيت عائلته الأولى، كأنّ الدائرة تدور لتعيده إلى نقطة البداية. في تلك المرحلة كانت تأتي إلى البيت فتاةٌ في الثامنة عشرة من عمرها تُدعى آيكو، ابنةُ أسرةٍ صديقةٍ لأسرته منذ أن كانت الأمهات صبايا، إذ جمعت بينهما قرابة الروح إن لم تجمعهما قرابة الدم.

كانت آيكو تقصد كِنساكو لتتعلّم الإنجليزية، غير أنّ الدرس اللغوي تحوّل في قلبه إلى درسٍ في الحب؛ تعلّق بها في صمت، حتى إذا اشتدّ تعلّقه تقدّم لخطبتها بثقة من يظنّ أن الطريق ممهدة.

غير أن أمّ آيكو صدّت طلبه بقسوةٍ باردة، فتهشّمت كرامته كما يُكسر زجاجٌ رقيق، إذ كان متيقّنًا أن القبول أمرٌ لا ريب فيه.

منذ تلك اللحظة انفتح أمامه باب آخر، باب الليل والملذّات؛ أخذ يتردّد إلى حيّ يوشيــــوارا، يُنفق لياليه في اللهو، كأنّه يريد أن يُطفئ وجع القلب بنار الجسد.

ومع توالي الشهور، أدرك أن هذا الطريق لا يزيد جرحه إلا عمقًا، وأنّ السكر لا يمحو الإهانة، بل يجلّي صورتها في داخله كلما أفاق.

عندئذٍ نبضت فيه رغبة الرحيل؛ أن يفرّ من شوارع طوكيو كما يفرّ من مرآته، فشدّ رحاله إلى مدينة أونوميتشي، حيث عاش ثلاثة أشهرٍ يطبخ لنفسه ويجرّب أن يكتب روايةً تُنقذه من نفسه.

لكن الكلمات لم تطاوعه، وبقيت الصفحات بيضاء أو شبه بيضاء، فخرج يهيم في أرجاء شيكوكو، ينتقل من مدينةٍ إلى أخرى، حتى استحالت وحدته إلى فراغٍ يضغط على صدره.

لم يعرف في حياته قلبًا ضمّه بحنانٍ كامل، فصار يستحضر صورة أمّه الراحلة من أطياف ذاكرةٍ بعيدة، ويحنّ إلى حنانٍ لم يكتمل.

في غمرة هذا الحنين، عادت صورة أُوئي لتسطع في قلبه؛ تلك المرأة التي ربّته في بيت الجدّ. تخيّل لو أنّها هنا، قريبة من فراشه، تعدّ له الشاي كما كانت تفعل، هل كانت روحه ستظلّ هذا القدر من التيه؟

اشتعل في داخله خاطر أن يتزوّجها، أن يحوّل أمومتها القديمة إلى رفقة حياة، فكتب إلى أخيه الأكبر، وهو أقرب الناس إلى سرّه، يفضي إليه بهذه الرغبة الغريبة.

جاءه جواب الأخ على هيئة اعترافٍ قاسٍ يبدّل مصير رجل: كشف له أنّه ليس ابن أبيه كما ظنّ، بل هو ثمرة علاقةٍ بين جدّه وأمّه.

وأخبره أن خطبته لآيكو رُفضت بسبب هذا السرّ المطمور، وأن رغبته الآن في الزواج من أُوئي، التي كانت في الأصل خليلة الجدّ، ليست إلا تكرارًا لدائرة محرّمة؛ فزواجه منها يعني أن يتزوّج امرأةً كانت يومًا في حرم جدّه.

انهار كِنساكو تحت وطأة هذه الحقيقة، وسقط في حزنٍ كثيف، كأنّ جذور نسبه تُسحب من الأرض فجأة، وتُترك روحه معلّقة في الهواء بلا شجرةٍ تستند إليها.

هرب إلى كيوتو، مدينة المعابد والأجراس القديمة، يمشي من معبدٍ إلى آخر، يتأمّل تماثيل بوذا ووجوه الآلهة الصامتة، ويطيل النظر في التحف واللوحات، لعلّ جمال الأشياء العتيقة يمحو بعض ما في داخله.

وفي أحد الفصول العاطلة من حياته، قدّمه صديقٌ إلى فتاةٍ جديدة في قدره: ناوكو، ابنة أسرةٍ كآبته الحديثة، ثرية، ذات قلبٍ رقيق، كأنها تنتمي إلى عالمٍ أبسط من عالم الفضائح والأنساب المعقّدة.

تزوّجها كِنساكو، وللمرّة الأولى شعر بأنّ البيت ليس جدرانًا فقط، بل دفء شراكةٍ وهدوء مساءاتٍ تُشعلها ابتسامة امرأة.

لكنّ القدر لم يتركه يهنأ طويلًا؛ ففي غيابه عن البيت، تعرّضت ناوكو لاعتداءٍ من ابن عمّها، فدُفعت إلى جرحٍ لم تختره، كما دُفع هو إلى نسبٍ لم يختره من قبل.

اختار أن يغفر لها، أو حاول أن يفعل، غير أنّ قلبه ظلّ مثقوبًا بذكرى ما حدث، تتسرّب منه الراحة كلما حاول أن يستقرّ.

تراكم عليه الألم حتى ضاق بالمدينة والزواج معًا، وقرّر أن يبتعد، لا هروبًا من ناوكو وحدها، بل من كل ما يحمله اسمه من تاريخٍ ثقيل.

قصد جبل دَايْسِن في محافظة توتّوري، وهو من مزارات طائفة التنداي، حيث يختلط الهواء بأنفاس الزهّاد، وتصعد الأدعية مع سحب الفجر.

في الطريق إلى القمّة أدركه الصبح، فرأى شفق الفجر يشقّ ظلمة الليل، وشعر في تلك اللحظة أنّ وجوده الفردي يذوب شيئًا فشيئًا في حضن الطبيعة الكبرى؛ كان كأنه قطرة تعود إلى البحر.

غير أنّ جسده، المنهك من التعب وسوء الطعام، خان هذه النشوة الروحية، فسقط مريضًا، ونُقل إلى معبدٍ عند سفح الجبل، حيث استلقى بين الحياة والموت، تحرسه عيون الرهبان وصوت الريح.

حين بلغ الخبر ناوكو، تركت كل شيء وهرعت إليه.
جلست عند فراشه، أمسكت بيده المتعرّقة، وحدّثت نفسها في صمت:

«سواء نجا هذا الرجل أم رحل، سأظلّ أسير وراء خطاه حيثما مضى».

كان تعهّدها الخفي أشبه بصلاةٍ لا تُسمع، تربط مصيرهما بخيطٍ رفيع، يحتمل أن ينقطع في أي لحظة، لكنه مع ذلك الخيط الوحيد الذي بقي بينهما في هذا العالم المتقلّب.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .