
لطالما حفلت العلاقة بين مملكة البحرين واليابان بلحظات إنسانية جميلة، وأحداث ثقافية مميزة، وحكايات صادقة تعكس عمق الصداقة بين البلدين. ومن خلال الدبلوماسية، والثقافة، والتبادل الإنساني، ظهرت قصص تستحق أن تُروى للأجيال.
دعمٌ إنساني
في مارس 2011، حين اجتاح الزلزال المدمّر شرق اليابان وخلّف وراءه مأساة كبرى، كانت البحرين من أوائل الدول التي مدّت يد العون للشعب الياباني. فقد عبّر جلالة الملك المعظم وسمو رئيس الوزراء آنذاك عن تضامنهم الصادق، وأكدوا مساندتهم للشعب الياباني في محنته. كما نظم المجتمع البحريني حملات تبرع ومبادرات إنسانية، كانت كلمات ورسائل التعاطف فيها بمنزلة بلسم لقلوب الكثير من اليابانيين المنكوبين.
خمسون عامًا
في عام 2022، احتفل البلدان بالذكرى الخمسين على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وذلك من خلال محاضرات ثقافية وحفل موسيقي مميز في طوكيو شاركت فيه عازفة البيانو اليابانية ميسا جونوأوتشي، إلى جانب موسيقيين من البحرين واليابان. وقد عزفت أنغامًا تفيض بالسلام والصداقة، وتعرّف الحضور على الجوانب الفنية والثقافية في كلا البلدين. كان ذلك اليوم حدثاً لا يُنسى، عبّر فيه الفن عن أسمى معاني الصداقة.
جسور يصنعها الشباب
ما يميز العلاقة البحرينية اليابانية هو الحضور القوي للشباب. فالبحرينيون الذين يدرسون أو يقيمون في اليابان، يعودون إلى وطنهم حاملين تجارب ثرية. هؤلاء الطلاب والخريجون يواصلون تعزيز التبادل الأكاديمي والتفاهم الثقافي، فينشئون جسورًا من الود والصداقة، تثبت أن العلاقات لا تقتصر على الحكومات بل تمتد بين الناس.
الرياضة والتعليم
لم يخلُ المجال الرياضي من بصماته، إذ التقى المنتخبان البحريني والياباني عدة مرات في مباريات ودية وتصفيات قارية، وقدّم كل طرف أروع صور المنافسة الشريفة والاحترام المتبادل. أما في مجال التعليم، فقد لعبت المدرسة اليابانية في البحرين دورًا هامًّا، حيث شارك طلابها في فعاليات ومعايشات ثقافية مع المدارس البحرينية، بما يعزز الفهم المتبادل ويزرع بذور الصداقة منذ الصغر.
تجربة الدراسة
هل تعتقد أن تجربة الدراسة في اليابان كانت جيدة بالنسبة لك؟ وهل يمكن أن تخبرني لماذا؟ سؤال معتاد ومتكرر وكثيرًا ما يُستخدم في استبيانات الرأي العام للتعرف على ما تعلّمه الشخص وما اكتسبه من خلال تجربته الدراسية باليابان، وكان الأمر كذلك بالنسبة لي، وأردت أن أطبق ما تعلمت فقمت بسؤال عدد من الأصدقاء والطلبة الوافدين من البحرين والبلاد العربية الدارسين باليابان، فوجدت بعض الإجابات على النحو التالي:
1. عندما كنت أعيش ببلدي البحرين، كنت لا أبالي كثيراً بما يعتقد الآخرون تجاه ما أقوم به من أفعال وأقوال. ولكن بعد مجيئي لليابان والدراسة بها، أدركت أنه ينبغي على الإنسان أن يرى العالم بأعين الآخرين أيضاً، وليس فقط من خلال ما يراه هو، مما جعلني أتعلم أن أكون قادراً على التحكم فيما أقول وأفعل.
2. خلال فترة دراستي باليابان أدركت شيئاً مهماً من خلال تواصلي ونقاشي مع اليابانيين، وهو أن التشبث برأي الشخص والتصميم على إقناع الآخرين به شيء غير جيد في كل الأحوال. بخلاف الطريقة الغربية في التواصل مع الآخرين، والتي تقوم على مدى القدرة على إقناعهم بالرجوع إلى مفاهيم العقل والمنطق، توجد طريقة أفضل – وهي الطريقة اليابانية في التواصل – التي تعتمد على أن تكون قادرًا على التواصل مع الآخرين من خلال مراعاة مشاعرهم حتى وإن اختلفوا معك.
وبالطبع أعلم أن هذا ليس إلا جزءاً يسيراً من الآراء، وليس بالضرورة أن يكون معبراً عن كل الآراء. ولكن يتضح لنا أيضاً أن الطلاب الذين مروا بتجربة العيش والدراسة باليابان يبدو أنهم مهتمون بالجوانب الفكرية والروحية للثقافة اليابانية مثل روح الجماعة واحترام مشاعر الآخرين وبناء الثقة معهم وفكر الولاء والإخلاص، والاهتمام بعنصر الجمال في كل شيء من حول الإنسان، وعلى نحوٍ أكثر بكثير من اهتماماتهم التي يولونها تجاه القيمة الأساسية من الدراسة في اليابان من اكتساب العلوم والتقنيات الحديثة.
إن قصة البحرين واليابان ليست مجرد علاقات دبلوماسية، بل هي حكاية إنسانية ممتدة، تتجلى في مواقف مشرقة، ومبادرات نبيلة، وجسور من التعاون الثنائي. إنها حكاية تُظهر كيف يمكن للصداقة أن تزدهر بالصدق المتبادل، وكيف تتحول المواقف الصغيرة إلى ذكريات عظيمة تنسج علاقة عابرة للأزمان.

نحو عام 2050
في الحكاية، تسير هاتان الرؤيتان وكأنهما نجمان يقتربان من بعضهما في مدار واحد. اليابان، بقوتها البحثية الهائلة وتجربتها في تحويل المستحيل إلى واقع، يمكن أن تقدم للبحرين تقنيات ذات تأثير عالمي: من أنظمة الطاقة المستدامة، إلى الروبوتات الذكية، مرورًا بتقنيات الزراعة الحديثة والطب الحيوي. أما البحرين، فهي تقدم بيئة إقليمية متينة، مركزًا ماليًّا ولوجستيًّا في قلب الخليج العربي، وبوابة تفتح لليابان فضاءات جديدة للتجربة والاستثمار.
هكذا تبدأ القصة في رسم ملامح تعاون محتمل غير مسبوق:
- تتلاقى أبحاث اليابان في مجالات الاستدامة مع خطوات البحرين لبناء اقتصاد أخضر متجدد.
- الروبوتات والذكاء الاصطناعي الياباني يجدان مكانًا مثاليًّا للنمو في برامج التحول الرقمي التي تقودها البحرين.
- من خلال الشراكات الأكاديمية والبحثية، ينشأ جيل جديد من العلماء والمهندسين في البلدين قادر على صياغة مستقبل مشترك.
وفي المشهد الأخير من هذه الحكاية، يظهر الأفق عام 2050 وقد امتلأ بالتقنيات، المدن الذكية، والطاقة النظيفة. اليابان والبحرين، رغم المسافة البعيدة، وقفتا كتفين إلى كتف، لا كأمتين مختلفتين، بل كحليفين جمعتهما الإرادة، الطموح، وحلم إنساني مشترك بأن يصبح الغد أفضل من اليوم.
في زمن تتسارع فيه التغيرات، تبقى الثقافة والإنسان هما ركيزتا المستقبل الحقيقي. بين اليابان والبحرين، لا تتوقف الحكاية عند حدود الاقتصاد والسياسة، بل تعبر نحو معانٍ أعمق: تبادل إنساني، تلاقي شباب، ورؤية مشتركة لمستقبل تسكنه المعرفة والإبداع.
القفزة نحو القمر
اليابان تدخل القرن الحادي والعشرين ومعها “خطة القفزة نحو القمر” أو ما يسمّى بالـ “Moonshot 2050”. إنها ليست مجرد مشروعات بحثية، بل مغامرة إنسانية وعلمية تهدف إلى تجاوز الحدود التقليدية للعلم. تقوم الخطة على سبعة أهداف كبرى، من بينها خلق مجتمع يعيش فيه الناس مائة عام بصحة وحيوية، تطوير روبوتات تعيش وتتعاون مع البشر دون حواجز، معالجة الشيخوخة والتحديات الطبية عبر تقنيات ثورية، وإيجاد حلول بيئية تُمكّن الكوكب من البقاء للأجيال القادمة. هذه ليست أحلامًا، بل مشاريع تموَّل وتُختبر لتصبح واقعًا مع حلول منتصف القرن.

رؤية البحرين
وفي البحرين، تحمل “رؤية 2050” ملامح مشروع وطني ضخم لإعادة بناء الاقتصاد بإرادة تنويع مستقبلي، حيث تحتل الثقافة والابتكار والتعليم مركز القلب. هناك رغبة واضحة في الانفتاح على الشراكات، ليس فقط في المال والتقنية، بل في الإنسان.
هنا تتقاطع الحكاية: تخيّل طلابًا بحرينيين يسافرون إلى الجامعات اليابانية ليشاركوا في مختبرات الـ “Moonshot”. هناك، يتعلمون كيف يحول اليابانيون الخيال إلى بحث، والبحث إلى تطبيق. وفي المقابل، يأتي شباب يابانيون إلى البحرين ليغوصوا في تاريخها وثقافتها ولغتها العربية، فيدركون أن المستقبل يحتاج إلى تنوع إنساني بقدر ما يحتاج إلى تقنيات.
ومن خلال هذا التبادل، تتشكل جسور من الوعي:
- طلاب بحرينيون يساهمون في أبحاث مناخية يابانية تعالج حرارة الكوكب، ثم يعودون ليطبّقوها في بيئة الخليج.
- باحثون يابانيون يستلهمون نمط الضيافة البحرينية، فيصممون روبوتات اجتماعية تراعي المشاعر والثقافة المحلية.
- فنانون من البلدين يوظفون الذكاء الاصطناعي والإبداع التراثي لصنع أعمال تعبر عن الإنسان قبل الآلة.
إنها ليست مجرد “مشاريع”، بل قصة قلوب تتلاقى، ومعرفة تتشارك، وأحلام تُنسج لتصنع واقعًا جديدًا.
وعندما يطل عام 2050، قد نجد البحرين مركزًا إقليميًّا يُطبّق فيه نتائج أبحاث الـ “Moonshot”، من مستشفيات تستخدم الطب الحيوي الثوري، إلى مدن ذكية تعيش على الطاقة النظيفة. وقد تجد اليابان نفسها وقد غرست في البحرين شجرة صداقة، ثمارها ليست التكنولوجيا فقط، بل إنسانية مشتركة تؤمن بأن المستقبل ليس ملك دولة بعينها، بل ملك للإنسانية جمعاء.
هكذا تمضي الحكاية... من طوكيو إلى المنامة، ومن البحرين إلى اليابان، حيث يلتقي العلم بالثقافة، وحيث يعبر الإنسان حدود المكان والزمان ليكتب قصة عالم جديد.
* أستاذ الدراسات اليابانية - علم اللغة المقارن والترجمة- جامعة طوكاي اليابانية