العدد 6148
الخميس 14 أغسطس 2025
روسيا بين إرث القتال وطموح الأجيال الجديدة البروفيسور المؤمن عبدالله
البروفيسور المؤمن عبدالله
من وحي رؤية الطبيب الياباني ناكامورا... جذور النزاعات في العالم تعود لازدواجية المجتمع الدولي
الخميس 14 أغسطس 2025
  • الجيل الجديد من الروس لا يحبذ الفكرة التقليدية بأن روسيا “وُلدت لتقاتل”

  • من عقيدة الحرب إلى التفاهم المتبادل: أي مستقبل ينتظر الروس؟

 

تتجلى الازدواجية في المعايير ليس في روسيا وحدها، بل في أوروبا والولايات المتحدة

أيضًا. فعلى الرغم من الرفض الدولي لغزو روسيا لأوكرانيا، نجد في الوقت نفسه قبولًا لتدخلها في سوريا، واعتبار الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة مسألة مختلفة تمامًا. إن هذه الأمثلة ليست سوى جزء من سلسلة لا تنتهي من ازدواجية المعايير غير العادلة في المجتمع الدولي.

أتذكر هنا كلمات الطبيب الياباني تِتسو ناكامورا، الذي قُتل في أفغانستان قبل ثلاث سنوات. فقد كان يرى أن العديد من النزاعات في العالم تعود جذورها إلى أشكال متعددة من الازدواجية التي يفرضها المجتمع الدولي، وكان ينتقد ذلك باستمرار. فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، شنت الولايات المتحدة في أكتوبر من ذلك العام غارات جوية على أفغانستان، وانتقد ناكامورا حينها اعتماد الدولة العظمى على القوة العسكرية لحل الأزمات. كما عارض إرسال قوات الدفاع الذاتي اليابانية إلى أفغانستان، واعتبر ذلك خطوة “ضارة بلا فائدة”.

المجتمع الدولي يغرق في النفاق. فحقوق الإنسان والمساواة والحرية التي يتحدث عنها الغرب، لا تبدو إلا شكلًا من أشكال الرياء.

ربما تُعد هذه الحرب الحالية واحدة من الحالات النادرة في تاريخ روسيا الممتد لألف عام، حيث دخلت في حرب واسعة النطاق من دون أي حليف. عادةً حققت روسيا انتصارات ونجاحات في مواجهاتها العسكرية مع أوروبا، لأنها كانت تستفيد ببراعة من تحالفاتها في إطار تقسيم العالم إلى “أعداء” و“حلفاء”. أحيانًا كان الحلفاء يصبحون أعداء، والعكس كذلك. لطالما سادت في أوروبا لعبة تقسيم القارة إلى معسكرين: مؤيد لروسيا ومعادٍ لها.

ولكن في هذه الحرب، تخوض روسيا المعركة وحيدة بلا حلفاء، ما جعل الوضع كارثيًا بالنسبة لها. حتى قبل بداية الحرب، لم تستطع إقناع الرأي العام الدولي بحججها مثل “حماية الأمن القومي” أو “القضاء على النازية” في ساحة الإعلام.

وكما قال أحد الكُتاب الروس: “روسيا دولة وُلدت لتقاتل.” إذا نظرنا إلى تاريخ الحروب والإحصاءات التي مرّت بها روسيا لأكثر من ألف عام، نجد أنها ثاني أكثر الدول دخولًا في الحروب بعد فرنسا. عند مقارنة عدد السنوات التي عاشتها روسيا في السلام مع تلك التي عرفتها في الحرب، نصل إلى هذه النتيجة.

لذلك، يمكن القول إن الحرب ليست شيئًا استثنائيًا في تاريخ روسيا، بل هي عنصر أساسي. من هذا المنطلق، الحرب بالنسبة لروسيا أقرب إلى عقيدة أو منظومة، تتغير وظيفتها بين الدفاعية والهجومية حسب الظروف والزمان.

هذه التأثيرات العسكرية والتاريخية للحروب تظهر بوضوح في ذهنية الروس وعقليتهم. عند التعمق في حياة الروس، نجد أن عناصر التمجيد والاحتفاء بالجانب العسكري متجذرة في المجتمع، سواء من خلال احتفالات تقدير قدامى المحاربين، أو الأعياد التي تحتفل بالأحداث العسكرية والتاريخية (الانتصارات والحروب)، أو الشوارع التي تحمل أسماء قادة عسكريين عظماء، أو المتاحف العسكرية التي تزينها رموز الانتصار والجيش.

ومثلما تغير الثقافة معنى الحرب، يتغير فهمنا لها أيضًا. لذا، من المهم أن نتعرف جيدًا على معانيها المتبادلة ونفهمها. بل قد يكون الجهد نحو “التفاهم المتبادل” (وليس فقط الفهم المشترك) ضروريًا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

أما التحدي الأكبر الذي تواجهه روسيا الآن وسيظل في المستقبل، فهو أن الجيل الجديد من الروس لا يحبذ الفكرة التقليدية بأن روسيا “وُلدت لتقاتل”، بل يريد أن تصبح روسيا دولة تعيش وتستمتع بالحضارة كغيرها من المجتمعات الغربية. أعتقد حتى لو استمرت الحروب، فلن يتغير وعي هذا الجيل الشاب. هل سيظل الروس أسرى للأفكار والتقاليد القديمة، أم سيبنون مجتمعًا جديدًا متعدد الأشكال من أجل مستقبل متنوع؟ يجدر بنا أن نتابع خيارات وسلوكيات الروس، والأوكرانيين، بل وجميع الأوروبيين.

 

* أستاذ الدراسات اليابانية والترجمة بجامعة طوكاي اليابانية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .