قال الصديق مستكملًا حديثًا سابقًا: هناك شبه إجماع اليوم بين عدد غير قليل من المفكرين بأن البناء الديمقراطي يعتمد بالأساس على الطبقة الوسطى، لأنها الأكثر استفادة من الديمقراطية، إلا أن الإشكالية أن مكانة هذه الطبقة ودورها في معظم البلاد العربية تراجع بشكل دراماتيكي، نتيجة عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية أدت إلى تآكلها، بل وتحولت نتيجة لذلك شرائح واسعة منها نحو خط الفقر، بما زعزع مكانتها، وبالتالي تراجع دورها.
قلت للصديق: أعتقد بأن التحولات الكاسحة التي شهدها العالم قد تجاوزت – واقعيًّا - المنظور القائم على الربط الآلي بين الطبقة الوسطى والديمقراطية. فهذا الربط ليس حتميًّا، بالرغم من أن بعض النظريات تعتبر الطبقة الوسطى القوية الركيزة الاجتماعية لنجاح الديمقراطية واستمرارها، باعتبارها قوة الاعتدال والاستقرار. ولكن هل يؤدي وجود هذه الطبقة بالضرورة إلى تحقيق التحول الديمقراطي؟
الجواب نجده في مثال ما يحدث في بلد كبير مثل الصين التي تشهد نموًّا اقتصاديًّا هائلًا ومبهرًا مع وجود طبقة وسطى ضخمة، ومع ذلك لم يحدث أي تحول ديمقراطي بالمعيار الغربي في هذا البلد الذي يكاد يتحول إلى القوة العالمية الأولى على الصعيدين الاقتصادي والتقني. ومن الواضح أن هذه الطبقة تفضل الإبقاء على النظام القائم كما هو، مادام يكفل الأمن والاستقرار والتنمية. بما يجعلها أكثر ميلًا إلى الاستقرار على حساب السعي وراء الديمقراطية وأكثر ميلًا لدعم الوضع القائم بدلًا من المطالبة بتغيير ديمقراطي قد يهدد استقرارها ومكتسباتها المستقرة. وهذا يعني أن التوجهات السياسية لمعظم مكونات هذه الطبقة قد تظل محكومة بمدى شعورها بالأمان الاقتصادي وعلاقتها بمؤسسات الدولة المستقرة، مع فروق بين دولة وأخرى.
لذلك، من الصعب أن نعتبر النظرية الأولى صحيحة بالكامل، ولا المثال الصيني نموذجًا يصلح للتعميم، ما يستدعي إعادة النظر في المسألة بعمق، بناء على ما يشهده العالم من تحولات في سوق العمل ومن حروب وصراعات وأزمات اقتصادية وتراجع هائل في الإنفاق الحكومي وإجراءات تقشف تضرر منها ذوو الدخل المحدود والمتوسط بشكل مباشر، ما جعل المسألة الاقتصادية – الاجتماعية تتصدر الاهتمام وتتحول إلى أولوية في هذه المرحلة.. وللحديث صلة.
كاتب وإعلامي بحريني