قال الصديق: هناك اعتقاد عند عدد من المثقفين والسياسيين بأن تحقيق التحول الديمقراطي وحده كفيل بحل كل أو جل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وهو اعتقاد حالم يمكن أن نطلق عليه مجازًا مسمى الديمقراطية الرومانسية، هذا إذا افترضنا أن تحقيق التحول الديمقراطي ممكن من دون تحقيق النهوض الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
قلت للصديق: مع كل التعقيد الذي تطرحه هذه المسألة، يمكننا مع ذلك التوقف عند 3 نقاط رئيسة:
أولًا: أن المسألة الديمقراطية ترتبط بالضرورة بالحداثة والحرية وتعايش الأفكار على اختلافها، بعكس ما هو سائد في بلاد العرب من نظرة سطحية تركز على الصراع على السلطة، حيث يتم التركيز على الانتخابات من أجل السيطرة على السلطة والموارد، فمجمل النقاش لا يدور حول ترسيخ الديمقراطية، بل حول تقاسم السلطة والثروة في النهاية.
ثانيًا: إن الديمقراطية لا يمكن أن تنبت عن الحداثة التي اقتصرت في أغلب البلاد العربية على (التمدن المادي) مع الاحتفاظ بالبني التقليدية مهيمنة على حياة الفرد ومصيره، وعلى حياة المجتمع ومصيره، إلى درجة أن هذه البنى أصبحت في عدد من البلدان تتخذ الطابع الميليشاوي، فكل فريق يمتلك ميليشيا مسلحة، يهيمن بواسطتها على مناطق نفوذ محددة ومقصور دخولها وسكناها عليه دون غيره، إضافةً إلى الغياب شبه الكلي لمظاهر وحدة الدولة، فلكل علمه ونشيده وتعليمه ومساجده ومستشفياته وإذاعاته وقنواته الفضائية.
ثالثًا: إن القوى الحقيقية التي باستطاعتها بناء الدولة الديمقراطية هي القوى الديمقراطية الليبرالية التي تؤمن بالحرية والديمقراطية ودولة المواطنة المتساوية وسلطة القانون، وترفض التمييز بين المواطنين على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية.
إلا أن معظم جماعات الإسلام السياسي باختلاف ألوانها، من الصعب عليها القبول بالفصل بين السياسة والدين، أو التخلي عن تمييزها الطائفي بين المواطنين، لذلك محكوم عليها بإدامة الصراعات وتفاقم المشاكل التي تعيق تحقيق الديمقراطية الحقيقية في النهاية. أما القول بأن الديمقراطية هي مفتاح حل كل شيء فهو قول غير واقعي، وليس حتى رومانسيا.