قال الصديق محتدا: منطق التلفيق السائد عندنا في الفكر والممارسة هو ما قادنا إلى العجز عن اقتحام الحداثة والديمقراطية معا. حتى أصبحنا لا نرى مشكلة في الجمع بين المتناقضات على اختلاف اتجاهاتنا. لذلك أرى أن الديمقراطية ونجاحها واستمرارها لا يمكن أن يتحقق من خلال القوى الاجتماعية المحافظة المغلقة على نفسها، أو من خلال القوى التلفيقية التي تجمع بين الشيء وضده. ومثلما يقول المستشرق برنار لويس: “إن الديمقراطية ستظل نبتة غريبة وذابلة في أرض المسلمين بسبب ثقافتهم السياسية التي تحل فيها قيم الطاعة محل الحرية، ويحل فيها المؤمن بدل المواطن، والأمة محل الفرد”.
قلت للصديق: أتفق معك حول غلبة التلفيق في ثقافتنا العربية الإسلامية الحديثة والمعاصرة والعجز عن الحسم، ما يقودنا إلى الاعتراف بأن القوى المحافظة التي أصبح الإسلام السياسي ترجمانا لها، لا تتقبل في الغالب التعايش مع مقتضيات الديمقراطية، من حرية ومساءلة، فما بالك بالمساواة بين الرجال والنساء، فتلك قيم مبادئ تتعارض مع مصلحة القوى التي تعمل على الهيمنة على جمهور المؤمنين باسم الدين. وقد شهدنا قطاعا واسعا من أبناء الطبقة الوسطى قد انقلبوا على مقتضيات الإصلاح السياسي ذي الأفق المدني الديمقراطي، وإن كان محدودا، وانحازوا إلى البنى والتنظيمات ذات المرجعية الدينية المعادية للديمقراطية في الأساس.
ومع ذلك، ومن جانب آخر لا أتفق بتاتا مع أطروحات المستشرق برنار لويس، لسببين: الأول أن أطروحاته ومقارباته للمجتمعات العربية - الإسلامية وللإسلام ذاته، لا تخلو من حط واضح من القدر والاستخفاف بالعرب والإسلام والمسلمين، والنظر للإسلام بصفته نسقاً ثقافياً مغلقاً خارج التاريخ، وبالتالي لا يمكن له أن يتأقلم وأن يتعايش مع الحداثة ومع الديمقراطية.
فلا يخفى أن هذه النظرة غير واقعية وغير موضوعية وتنم عن جهل بالإسلام وتاريخه.
الثاني: إن العياني – كما التاريخي - تكذب هذه المقاربة العدمية، إذ نجحت بعض التجارب في بلاد إسلامية في بناء تجربتها الديمقراطية، وبالرغم من تبنيها الإسلام مرجعا وقيما، فإن ذلك لم يكن حائلا دون بناء مجتمع حداثي ديمقراطي وحر.
كاتب وإعلامي بحريني