العدد 6279
الثلاثاء 23 ديسمبر 2025
“الست” بين صبحي وعمرو وغيرهما!
الثلاثاء 23 ديسمبر 2025

لم يكن بمقدوري الصمت على ما شاهدت، ولا تجاهل ما سمعت، سواء عن كل ما قيل وكل وما أثير عن فيلم “الست” أم كلثوم، أو عن تصفية الحسابات التي يتولاها وكلاء من خارج دائرة الصراع على النفوذ الفني، والحرب المستعرة على مراكز الثقل في المنطقة العربية، هل هي من هنا، أم أنها من هناك؟ هل التاريخ يشفع لها ويرشحها لنيل البطولة، أم أن الواقع سيد المواقع؟
التراشق إعلامي – فني بحت، جماهيري، نقدي، وبين بين، عمرو أديب صاحب برنامج “الحكاية” بشبكة MBC الفضائية دخل ضمن المدافعين عن فيلم “الست”، عن القائمين عليه، مخرج وكاتب ومصور وممثلين وحتى “الكومبارس”، الجميع في عهدة عمرو أديب أبطال، لم يشوهوا تاريخا، ولم يتجاوزوا حدودا، ولم يعتدوا على محرمات. هكذا يرى أديب في إخراج أحمد مراد، وكتابة مروان حامد نجل الراحل الكبير وحيد حامد، ومنى زكي التي قامت بدور “الست”.
الفنان المصري الكبير محمد صبحي لم يسكت، وقام بشن هجوم ضار على الفيلم باعتباره عدوانا على تاريخ أمة، وعلى أخلاقيات وطن، إزاحة لمواقف بطولات، وذكريات ومشاهد خالدة، وألحان أسطورية وصوت لا يجود الزمان بنظير له. محمد صبحي هاج وماج، وذهبت خيالاته إلى القائمين على شبكة إم.بي.سي، متهمًا إياها بالتحريض على أم كلثوم، وعلى الفن المصري، رغم أن التمويل شكلاً كان مصريًا، والإنتاج “إعلاميًا” كان أيضًا مصريًا، إذن لماذا يهجم محمد صبحي وفرقته من الجماهير وبعض المثقفين والنقاد و”السوشال ميديا” على عمرو أديب وبرنامجه، والذين يتهمهم “صبحي” بالتمويل “الخفي”؟

الأسباب كثيرة وتعود إلى الصعود الذي شهدته دول عربية أخرى في مجال الإنتاج الفني والثقافي والسينمائي خلال السنوات القليلة الماضية في الوقت الذي تراجع فيه الإنتاج المصري سينمائيًا ودراميًا وغنائيًا، بل واحتفاليًا، وأصبحت بعض الدول العربية تمتلك دفة الريادة رياضيًا وفنيًا ربما لأسباب لوجستية أو تمويلية، وليست لأسباب تاريخية.
المشكلة ليست في “الست” أو فيلمها، ولا في محمد صبحي أو إرثه التاريخي المنضبط المعروف، ولا في قناة إم.بي.سي الفضائية، لكنها قد تكون في طريقة عرض الصديق عمرو أديب القضية، هل الفيلم أساء لـ “الست” أم أنه “أنصفها”؟ هل شوه صورتها، أم أنه أضاف لتاريخها العميق وفنها الشامخ العريق؟
بالحساسية ذاتها يستقبل جميع المتعاطين مع فيلم “الست” الحوار والحوار المضاد، الصمت الأبدي وذلك الذي يسبق العاصفة، التقدير والتبجيل للسيدة أم كلثوم وانتقاد المنتقدين لها بأوصاف لم تكن من طبيعتها، أم الخروج من دائرة “الانتقام” والدخول في محتوى الفيلم وأحداثه بالموضوعية المطلوبة، والنأي عن النيل من تاريخ “الست”، أو من مواقف “صبحي”، أو من تجاوزات “عمرو”.
الكل سواسية في الطرح كأسنان المشط، لا أحد يستطيع الانتصار في حرب خاسرة، وفي حوار طرشان، فالفيلم مازال عرضه مستمرًا، ومازال يحقق إيرادات قياسية، و”السوشال ميديا” ستواصل “ركوب الترند”، وتخاصم التحلي بالحكمة والتحليل بموضوعية، والرؤية للفيلم من وجهة نظر فنية وحيادية بحتة.
في جميع الأحوال، لن يستطيع أحد النيل من الهرم الرابع لمصر العربية، ولا أحد يستطيع إسكات مدافع المغرضين أو هؤلاء المروجين “بمقابل” للخطيئة على أنها فضيلة، وللحرام على أنه حلال.. حلال، ولأن الكل سواسية في ميزان “الست” لأنها في ذمة الله عز وجل، فإنه لا المدافعين عنها يستطيعون تبرئتها من كذا وكذا، ولا المتربصين بها والمتاجرين بـ “فيلمها” يمكنهم النيل من تاريخها. 

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية