العدد 6272
الثلاثاء 16 ديسمبر 2025
تعليق على ما قرأت!
الثلاثاء 16 ديسمبر 2025

لم تكن مصادفة أن تلتقي أفكارنا، أو تتفق أقوالنا، التفكير لا يقود إلا للتفكير، خصوصًا إذا كان بصوت مسموع، والمعاني حسب نظرية المعنى لبرتراند راسل تعتمد على القياس في تحديد معاني الأشياء، وعلى التماس مع الحقائق لتبلغ ذروتها عندما تتحقق الدقة مع الوضوح، هو بالتحديد ما خرجت به من مقال في غاية “السياسة” للمفكر والكاتب الأستاذ عبدالنبي الشعلة “وهم إسرائيل الكبرى، و.. حل الدولتين”.
ولولا أنني كنت متأكدًا من أن السيد الشعلة لم يقرأ مقالي “وهم الدولتين” سواء كان المصطلح بين السطور، أو أنه عنوان مستقل بذاته، إلا أن توارد الأفكار والخواطر على طريقة الفيلسوف الإيطالي “لومبروزو” دفعني إلى الإيمان بأن المادة لا تفنى ولا تُخلق من العدم، وأن التخاطب عن بُعد لم يكن في يوم من الأيام محصورًا على نظرية، أو مستعمرًا بقضية، بقدر ما هو تعبير فائق الجودة عن خواطر عميقة تتلبس صاحبها، وتنتقل منه للآخر المنتمي، أو للآخر “المتقارب”. نعم.. إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات وهم، وحل الدولتين للأسف الشديد بات بعد السابع من أكتوبر 2023 وهمًا أو أضغاث أحلام، الإسرائيليون يحلمون بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار وهي “تجري بين أراضينا”، فتحتل منابعها، وتؤرق مخادع أصحابها، و.. “وهم الدولتين” حق أصيل للعرب في أن يحلموا بعالم أفضل، وحياة أكثر جمالاً وأمنًا، وحدود أقل خطرًا ومهانة. 

هكذا ارتطمت عيناي بمقال رئيس مجلس إدارة العزيزة “البلاد” حيث دفعني العنوان لكي أقرأ ما كُتِب مرة واثنتين، خصوصًا أن وحدة المصير أصبحت أشبه بما كان يعتبره كتاب رأس المال لـ “كارل ماركس” في نظريته الوحدة والصراع، مواجهة بين الأضداد – مع وضد - في الوقت نفسه، فالعرب منقسمون على أولوياتهم، بل وعلى وحدتهم، ثم على مصيرهم، سواء كانت إسرائيل الكبرى وهمًا أو شعارًا، أو أنها مشروع قابل للتحقق حتى لو كانت “تنازلات” 1948 و1956 و1967 لم تسفر عنها حتى اللحظة تنازلات بعد السابع من أكتوبر 2023.
“وهم الدولتين” هو الأكثر اقترابًا من التنازل بمنطقية، وليس وهم إسرائيل الكبرى، فبينما يرى معظمنا أن “حل الدولتين” هو أضعف الإيمان في الصراع العربي الإسرائيلي، يؤكد المقال وأنصاره كثر أنه حتى “أضعف الإيمان” أصبح غير قابل للتحقق، بل وحتى أن الخيارين اللذين “أحلاهما مر” باتا أيضًا من رابع المستحيلات، وإذا كنا قد رضينا بالهم وتنازلنا عن 53 % من الأرض العربية في عام 1947 بعد “النكبة”، وإذا كان “أَمَر الخيارين” قد ذقنا علقمة ونحن نختصر قضية الشرق الأوسط في اتفاقيات ثنائية “يستفرد” فيها العدو الصهيوني بحلول على هواه، فإنه ليس غريبًا أن تميل كفة “الوهمين” لصالح المغتصِب وليس لـ “المغتصَب منه”.
 هنا تكمن نقطة الضعف التاريخية في أرجحة التوجه بين طرفين متصارعين أحدهما يمتلك القوة المفرطة وكامل الدعم، والآخر يمتلك كل الضعف وكامل الرضا، كارثة أن يتحول الحق إلى حلم، والحلم إلى وهم، والكارثة الأعظم أن تساوي بين القاتل والمقتول، بين المعتدي والمعتدى عليه، ونصور الأمر كما لو كان منافسة بين حق مشروع في مواجهة حق مشروع آخر، والحقيقة أنه لا “إسرائيل الكبرى” حق مشروع حتى تستقر في وعينا الجماعي، ولا وهم الدولتين حل في الأساس الموضوعي عند الدخول في مفاوضات الحل النهائي.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية