العدد 6265
الثلاثاء 09 ديسمبر 2025
مرة أخرى.. تكافؤ “الـلا فرص”!!
الثلاثاء 09 ديسمبر 2025

كَثُرَت الأحاديث الميدانية عن تكافؤ الفرص، عن الشخص المناسب الذي يجب أن يكون في المكان المناسب، وتمادى البعض في أحاديثهم آخذين في الاعتبار المقولة الشهيرة: “فاقد الشيء لا يعطيه”، أما مالك الشيء فكيف السبيل بالله عليكم إلى “الأخذ والعطاء”؟ من يدري أن فلانًا يستحق، وآخر لا يستحق؟ خصوصًا إذا كان المدّعون أكثر قدرة على صناعة الضجيج، والوصول إلى مانحي الفرص، وموزعي الوظائف، والمسؤولين عن علاج ظاهرة “الـلا فرص”. لن أضرب أمثلة حيّة على غياب العدالة عند الاختيار، عن افتقادنا التوصيف الوظيفي الدقيق، ولا التصنيف العلمي الأدق، اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت القدرة على الوصول من أجل عرض الوظيفة أكثر صعوبة من توفرها، نعم.. قد تكون الفرصة متاحة، ولكن أحدًا لا يدري، وقد يكون الباحث عنها جديرًا، لكنه يجهل طريق الوصول، وآلية الحركة، ووسائل الاتصال.
من هنا كان يجب على أصحاب الفرص الذهبية في بعض المؤسسات والشركات التواصل مع الأفضل والأرقى والأكثر تميزًا، لا الاكتفاء بالبحث عن نوعية علاقات الشاب المقبل على العمل، أو الباحث عنها بشق الأنفس.
هناك وظائف ذهبية شاغرة كثيرة، وهناك أكثر من موقع يعرضها، بل ويطلب من “المناسبين” التقدم إليها، المدهش حقًا والغريب أن هذه الفرص المسماة بالذهبية تختفي بعد الإعلان عنها مباشرة، وعندما يصل الشخص المناسب إلى الجهة المُعلنة، يقال له: “معلش.. فرصة ثانية”.
ويبدو أن الذهب لا يصل إلى عامة الناس أبدًا، بقدر ما يذهب إلى “البعض الواصل” فقط.
لا يهم ما هو المؤهل، ولا الخبرة المتراكمة، ولا الحسنات والتقديرات والتزكيات المتلاحقة، المهم أن تجد الحصان المناسب الذي يقفز بك إلى الفرصة المناسبة، والمهم أن تمتلك العين الفاحصة القادرة على الفرز من بعيد، والتواصل من قريب، والاتصال فور أن يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والأفضل أن يكون لديك كشاف يتابع، وتليسكوب يحدد الموقع، ومختبر يلتقط الوظيفة من قبل أن تذهب لغير مستحقيها.
ذات صباح كان هناك حديث شائق بين مسؤول كبير في شركة خاصة عملاقة وأحد الأصدقاء، وكان المسؤول يبحث عن رئيس قدير لتلك الشركة، وظل يشكو شح الكفاءات وغياب المتخصصين في “المجال”، وصعوبة العثور على “الرجل المناسب”، الأكثر إثارة أن الصديق الذي كان على الهاتف مع المسؤول الكبير يمتلك كل المؤهلات التي تضعه في الوظيفة الشاغرة المذكورة، وأن ذلك الصديق -خجلاً أو تحفظًا- لم يجرؤ على أن يقدم نفسه إلى تلك الوظيفة وصديقه المسؤول لا يراه مطلقًا، ولا ينظر إليه من القياديين في المجال الذي يبحث فيه عن كفاءة مخلصة لشغل المنصب.
الكارثة أن الصديق الذي كان على الهاتف أصيب بالإحباط، بعد أن ظل يضرب أخماسًا في أسداس: يا ترى يا هل ترى؟ لماذا وكيف وما الذي جرى؟ لم يصل إلى إجابة شافية، بل إنه لم يستطع أن يصارح صديقه بما سمعه من كلام مدهش وغريب عجيب، ويبعث على الحزن والأسى.
وبالفعل، ذهب الاختيار إلى آخر المدى، بل وإلى نهاية المطاف من الأسئلة وعلامات التعجب، هل هو الجنون بعينه، “ما هو، إما أن المتحدث كان ضعيف الرؤية إلى هذه الدرجة وهذا ليس صحيحًا، أو أن الصديق الذي كان على الطرف الآخر من المحادثة مجنون وضعيف الإدراك، ويضع نفسه في مكانة لا تليق، وفي عمل لا يستحقه، وفي منصب لا علاقة له بخبراته أو علومه أو شهاداته”.

الكارثة ليست سوء الاختيار أو لأن “غلطة الشاطر بألف”، بل في غياب الشروط الواضحة التي يتم عن طريقها الترشح لبعض الوظائف التي تحتاج إلى قدرات خاصة، ربما لا تكون شهادة أكاديمية بعينها، أو بحثًا عبقريًّا في حد ذاته، وربما لا يكون اختراعًا سابقًا للوظيفة كشرط أساسي لها، لكن الأكيد أن كل هذه المؤهلات أصبحت ضرورية إلى جانب الخبرات، والأكيد أن الموهبة تلعب أحيانًا دورًا كبيرًا لإنجاح “الولادة القيصرية” لأن الطبيب لم يدرك مبكرًا أن المريض في حالة يرثى لها، وأن الطبيب مصاب بالمرض نفسه، وأن الاثنين يحتاجان لطبيب آخر أكثر قدرة على التشخيص، وأقل “عُرضة” للإصابة بنفس المرض.


كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .