العدد 6254
الجمعة 28 نوفمبر 2025
كلام في الممنوع (2)
الجمعة 28 نوفمبر 2025

لم تكن مصادفة تلك التي جمعت خلال شهر واحد بيانًا من “ستاندرد آند بورز” وهي تخفض التصنيف الائتماني لمملكة البحرين إلى العلامة B مع نظرة مستقبلية واعدة، والندوتين المهمتين لمؤسس سوق البحرين للأوراق المالية الدكتور فوزي بهزاد في مجلسي الدكتور محمد الكويتي وروتاري السيف، لم تكن مصادفة لكنها محاسن صدف تلك التي حملتها دراسة الدكتور بهزاد إلى النخب لكي تضع أمامهم ملامح استراتيجية اقتصادية جديدة للبحرين تحت عنوان: “نقلة اقتصادية ثانية” مع تفكير بصوتٍ عالٍ.

ما إن خرجت “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني بتقريرها حتى قرأت لرئيس مجلس إدارة دار “البلاد” للصحافة والنشر السيد عبدالنبي الشعلة مقالاً مهمًّا يعلق فيه على تقرير المؤسسة المالية الأميركية الكبرى معتبرًا أن التراجع المالي المدجج بأرقام عجز في الميزانية العامة للدولة لا علاقة له بالضرورة بالوضع الاقتصادي للمملكة، وأن توفر الإرادة النوعية والرؤى الاقتصادية والاستراتيجيات التنموية من شأنها أن تؤكد تلك النظرة الدولية المستقبلية الإيجابية لمملكة البحرين.

ومثلما أشرت في مقالتين سابقتين إلى ندوتي الدكتور بهزاد، فإنه على ما يبدو كان بخبرته الواسعة مستشعرًا الموقف الاستباقي، وقارئًا للأحداث، بل ومتابعًا حثيثًا لها. ورقة الدكتور بهزاد بعد قراءاتي المتأنية المتكررة لها وجدتها أكثر شجاعة من تقرير “ستاندرد آند بورز”، تمامًا مثلما كانت قراءتي للسيد عبدالنبي الشعلة.

لم يكن أي من رجالنا المتفكرين في أحوال الاقتصاد مجاملاً، أو محابيًا، أو منحازًا لوضع على حساب حقيقة واضحة، كانت الصورة تتحدث عن نفسها، وكان الدكتور بهزاد على دقته المتناهية وملاحظاته المتكررة على المقالين السابقين إلا أنني كنت مصرًا على أن أصل معه لنهاية التقرير “المتعوب عليه”، كيف وصل إلى الحلول، وكيف تمكن من رصد الواقع واستلهام العبر والدروس مما أسماه “نقلة اقتصادية أولى” إلى ما توصل إليه من نتائج مهمة في “نقلته الاقتصادية الثانية”؟.

ورقة د. بهزاد تحدثت عن ضرورة إعادة التأسيس والهيكلة لاقتصادنا باعتبار أن ذلك ضرورة حتمية هي نفسها تلك التي وردت في إحدى تغريداته، ضرورة إعادة تقييم للوضع المالي بشكل وثيق بل ووضع خطة استراتيجية تتم من خلالها إعادة التأسيس لما أسماه “المالية العامة”، وربط هذا كله بإعادة تأسيس مثماثلة للقطاعات الاقتصادية الأساسية بما فيها الأجهزة المعنية والمؤسساتية العامة.

الورقة أو التغريدة طالبت بتحديد مشروعات ذات جدوى اقتصادية مرتفعة، وكثافة عمالية مستفيدة من التطور التكنولوجي الهائل الذي تتمتع به منظومة قطاعات الأعمال حكومية وخاصة في المملكة. الورقة أيضًا لم تغفل الدور المجتمعي المطلوب والفعال، بل إنها لم تتجاهل أهمية وضع برنامج زمني محدد لتنفيذ أية استراتيجية اقتصادية في هذا المضمار.

ولأن المادة مثلما علمونا لا تفنى ولا تخلق من العدم، فإن لمداخلات النخب في مجلس “الكويتي” تحديدًا كان لابد من إلقاء نظرة أخيرة عليها، خصوصًا تلك التي جاء بها رائد الأعمال والأكاديمي الدكتور حمد بهزاد، وذلك الذي تحدث عنه الخبير الاقتصادي المخضرم السيد رضا فرج.

صحيح أن رؤى كل من أمين العباسي وإبراهيم المناعي وغيرهما من المشاركين كانت تؤكد ضرورة تحديد موقع المواطن في رؤية البحرين وأهمية المردود عليه وعلى الاقتصاد الوطني النوعي والناتج المحلي الإجمالي بوضوح أكثر ودقة أعمق على طريقة لزوم ما يلزم، إلا أن الصحيح أيضًا أن الدكتور حمد بهزاد قد تحدث عن الحوكمة بسرعة لم تمهله دقائق الندوة لكي يشرح لنا بالتفصيل في أية القطاعات ينبغي أن تتم هذه الحوكمة.

تعاقب الأجيال هي سنة الحياة، وما كان قد تم طرحه في عام 1986 من رؤية عملية مستقبلية لاقتصاد وطني جديد يعتمد على التنويع من خلال إحداث نقلة اقتصادية واسعة ومتعددة المحاور، قد يدفعنا إلى القول: ما أشبه الليلة بالبارحة، إلا من خلال الحاجات المتعاظمة لوضع رؤية “النقلة الاقتصادية الثانية” على بساط البحث المتعمق، والطرح الزمني المؤكد، وجدول الأعمال الذي لا يجب أن يضيع بفعل بنود تلغي أخرى.. فجميعها حزمة مشاريع على طريق رفض التضاد، والبناء على ما فات.

 

 

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .