النقلة الاقتصادية الثانية كانت محل الإعراب الوحيد بين مجلسين، أحدهما في روتاري السيف، والآخر في مجلس الدكتور محمد الكويتي، فارس المجلسين كان مؤسس سوق البحرين للأوراق المالية الدكتور فوزي بهزاد، وأما الدعوة فكانت واضحة في ورقة متعددة المحاور والأبعاد والتفاصيل بعد أن أطلقت دعوتها للتفكير بصوت عالٍ للرأي والرأي الآخر، لكي يدلي بدلوه في قضايانا الاقتصادية التي جفت صحفها ورُفعت أقلامها، فلم نعد نسمع عن محاضرة تعنى بالشأن الاقتصادي، أو ندوة يشارك فيها خبراء ماليون منذ زمن بعيد.
ربما يكون اللغز مازال لغزًا، والأسباب غير قابلة للإفصاح عن نفسها، وربما يكون الشأن الاقتصادي قد توارى بعد التألق الذي شهدته النقلة الاقتصادية الأولى التي أطلقتها حكومة البحرين في 1986، لكن لا أشبه الليلة بالبارحة. الدكتور فوزي بهزاد كعاته يعودنا على تحفيز الآراء وتوجيه التفكير، بل وشحذ الهمم، فهو يرى أنه رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة على كل المستويات لاحتواء التحديات ومواجهة المشكلات الاقتصادية عن طريق ما اتخذته من إجراءات مالية وإدارية وحتى سياسية، إلا أن المطلوب كان دائمًا أكثر، والطموح سيظل إلى حين من الدهر أطول زمنيًّا، وربما يصبح الهدف واضحًا وضوح الشمس بعد أن اتخذت الدولة العديد من الإجراءات الكفيلة بتقليل الآثار السلبية على كل الأصعدة، خصوصا الاجتماعية منها.
معظم المناقشات، خصوصًا في مجلس الدكتور الكويتي انضبطت على سؤال وجيه محدد: لماذا لا تنعكس خططنا التنموية على المواطن؟ لماذا لا يتم سحب أدوار البطولة من الشرائح الاجتماعية التي طفت على السطح على حساب شرعية الطبقة المتوسطة التي انضغطت بين طبقتين إحداها تفاقمت ثرواتها، والأخرى اتسعت رقعة المعوزين فيها؟ لماذا لا يتم وضع المواطن في الإجراءات التنفيذية للرؤى والدراسات في مقدمة الأهداف، وإذا ما كان الدينار الذي يشتري عددًا معينًا من السلع أصبح غير قادر على الوفاء بأسعارها بل واقتنائها أو الحصول عليها؟ لماذا ذلك العزل الانفرادي للأثر الاقتصادي المباشر لأية خطة تنموية على الناس، حيث يظل الحديث مسترسلًا والسرديات متجهة فقط نحو نظريات التنافسية وحالة الدين العام، ومعدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي، وفي معدلات التضخم التي نحاول السيطرة عليها من دون أن يشمل ذلك المواطن؟ هل العيب في مجلس النواب الذي يفتقر إلى المحاكاة مع الحكومة خصوصًا فيما يتعلق بحاجات المواطن الأساسية؟
الأسئلة التي فجرتها محاضرة الدكتور بهزاد لم تركز فقط على سوق المال باعتباره الركيزة أو المرآة العاكسة لحالة الاقتصاد وقوى الاستثمار الحقيقية، الدكتور بهزاد يتحدث وكأنه يشير إلى تلك الحلقة المفقودة بين خططنا التنموية وكأنها خطط لإعادة اختراع العجلة، وليس للبناء على ما انتهت إليه الخطة التنموية الشاملة التي تم إنجازها بنجاح عام 1986، والتي تم على إثرها قيام أول سوق للأوراق المالية في تاريخ البلاد في شهر يونيو من العام 1989.
طرحت الكثير من الأسئلة التي حاول الخبير الاستراتيجي بهزاد الإجابة عليها من خلال العثور على تلك الحلقة المفقودة بين زمنين أحدهما بدأت ملامحه في التجلي عام 1986، والآخر مع عصر إطلاق الرؤى التنموية الممتدة، وللحديث بقية.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية