العدد 6240
الجمعة 14 نوفمبر 2025
الفن الهابط والفن الصاعد!
الجمعة 14 نوفمبر 2025

أكره المزايدة على ولاء، أو المبالغة في أداء، يُقال الزائد كما الناقص؛ حيث لا يصح أو يستقيم أن نضع القارئ أمام رأي ورأي آخر “على الفاضي”، أن ننفخ في الرماد حتى تشتعل الحرائق وتضيع الحقائق، ويغرق المجتمع في جهالة نمقتها وضحالة نرصدها، ووفاق نتمناه سائدًا في مختلف قضايانا الفكرية والبحثية والإعلامية. لكن لماذا هذه المقدمة الطويلة، ولماذا هذا الشرح الذي أتمناه غير مخلٍ بالمعنى؟ السبب بسيط هو أنني عندما أقرأ لكاتب أرى فيه قدرة “ما” على التأثير، فإن المسؤولية تحتم عليّ التعليق ولو من باب طرق الحديد وهو ساخن.

قبل أيام قرأت للكاتب والأديب كمال الذيب مقالا على صدر صفحة الرأي بـ “البلاد الغراء” حول موجة الانحطاط الفني، وعلى قدر انبهاري بالحقائق والسرديات التي رصدها الكاتب الكبير بقدر ما اختطفني قلمه إلى التحفيز على نكء الجرح قبل أن يندمل، وإلى صفع الهدوء قبل أن تشتعل فيه نيران الغير، قلت للصديق العزيز: مقالك حول الانحطاط الفني المرتبط بانحطاط المجتمع جاء في وقت تحتاج فيه الأمة لتيار فكري يتبنى قضية الذوق العام والأخلاق التي أصبحت على المحك، تيار يتولى مسؤولية التغيير لا سطحية التناول، مقالك على عمقه الآثر، من خلال تلك المجموعات النادرة المحترمة التي مازالت تزعق وتصفع وتحرك الماء الراكد على الساحات الثقافية والفنية والفكرية، هذه الفئة التي مازالت تؤدي وتقاوم رياح الكهنوت الجماهيري الوهمي، لابد رغم مقالك البديع من تشجيع تلك المجموعات الفنية الشبابية البازغة.

أفرادا وفرقا وبين بين، لقد أشرت إلى مجموعات أجراس في البحرين، وغيرها في تونس والقاهرة والمغرب، وإلى مارسيل خليفة وتيار الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم رحمة الله عليهما، تمامًا مثلما أشرت وأنا معك إلى بقايا الفن المحترم الذي يمكن التعويل عليه والبناء على ما تحقق، لابد إذن من حلحلة الموقف المراقب لظاهرة التدني الفني، وذلك من خلال تيار فكري مؤثر يدعم قضية الفن الراقي في مواجهة الابتذال والسقوط في بئر الردح بالكلمات، والتناغم مع التفاهات، لابد من جماعات ضغط نوعية من الموهوبين الحقيقيين والمفكرين المؤمنين بقضايانا الوطنية وهمومنا الإنسانية ومشاعرنا الراقية، لا تلك التي تتناغم مع الحضيض، والرخيص الذي يجتذب المهللين والمهلهلين والبهلوانات الصاعدة. وجودنا في خطر ما لم يتم إخراج ذلك التيار من بنات أفكارنا، ومن سابق تجاربنا، ومن حقائق مجتماعتنا، ومن تراث أجدادنا.

الفن الشعبي لم يكن في يوم من الأيام فنًّا لإثارة الغرائز، واللعب على الصغائر، بقدر ما كان يشحذ الهمم ويعبر عن “أولاد البلد الجدعان” وعن الريف الصابر الصادق الفنان.

تيار فكري متنامٍ يرسخ قيمنا الحاضرة، وقيمتنا على مر الزمان، مقالك يا سيدي نكأ الجرح المفتوح، وترك الباب مشرعًا لحوار مجتمعي أشبه بالحوار الوطني، حوار جاد بين المثقفين العرب والمفكرين الأقرب للقضية، حوار يطلق تيارًا فكريًا معاصرًا يحارب الابتذال ويواجه شرعنة وتقنين أغاني ومطربي المهرجانات بمعايير الجماهيرية المنحطة الزائفة، ذلك أن الأمر لا يحتاج فقط لمجرد مقال، أو إلى ندوة لإثارة الغبار، أو لسلسلة أعمال صحافية وليكن ما يكون، إنما يفرض حقائق جديدة على الأرض لاستنهاض الهمم وتفكيك المجتمعات الداعمة والجماعات المحفزة المشبوهة لهذا النوع من الفن الرخيص، “غناء ودراما” وبينهما برامج “توك شو”، على إيقاعات ما أنزل الله بها من سلطان.

نحتاج إلى تيار لاستفزاز الطاقات الكامنة في شبابنا ولدى خبرائنا، وإيقاظ الضمائر وإعادة الحياة للرقابة على المصنفات، تيار يراعي الله والخير والفضيلة والرحمة والعدل في الناس، ولا يلعب على أهوائهم وآلامهم واحتياجاتهم رغم أي قياس.

 

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية