قد تكون الأيام المباركة التي يعيشها الوطن في تلك اللحظات هي التي دفعتني إلى إعادة طرح ما أسميته اجتهادًا “كلام في الموضوع” وليس الممنوع، الموضوع هو الذي يحفز الآراء لكي تفكر بصوت مسموع، والخبراء لكي يدلوا بدلوهم بقلم مفتوح، والكلمات التي يمكن أن تبتعد بنا عن موضوعية الطرح نجدها وقد تباعدت مسافة كافية لكي يصبح النقاش منطقيًا، والحوار مستحبًا، واحترام الآخر حاضرًا. إنها السياحة، ذلك القطاع الذي يمتلك من المقومات والإمكانات في البحرين ما هو أكبر بكثير من مظاهر الاحتفاء بالمردود الذي أراه متواضعًا قياسًا بهذه المقومات.
في ثمانينيات القرن الماضي خرج علينا العلامة الأثري علي أكبر بوشهري باقتفاء آثارنا الدلمونية، وذهب مع الأثريين والعلماء والاستكشافيين وليس الحطابين في الجبال إلى مقابر عالي وسار وباربار العريقة، إلى اقتفاء تلك الآثار وإلى جانبها قلاع البحرين الحصينة، “الرفاع وعراد والبحرين”، بالإضافة إلى البيوت الأيقونية العريقة التي شهدت سجالات وأحداثًا وطنية وثقافية عظيمة على المدى من التاريخ. وبالفعل كان لابد من تتويج الأثر على هذا الطريق، حيث وجدنا “بروتوكول” الاستقبال لمرتادي الفنادق والمطاعم والمقاهي السياحية والشعبية يتحقق بأحرف من نور، ومشاهد تتطابق مع فخامة التراث، وكرم شعب الجزيرة.
في الآونة الأخيرة وعلى مرأى ومسمع مرتادي الأماكن السياحية - المقاهي والمطاعم بالتحديد - وجدنا أن مستوى الخدمة بدأ في النزول عن عرشه الطبيعي، في الفخامة والتزام النظافة، والانضباط في الأداء.
والترحيب بالزبون وكأنه صاحب مكان وليس ضيفًا عليه، وجدنا ممارسات لا يقبلها عقل وترفضها البديهة الإنسانية عندما يتلقى النادل الطلبات من الزبائن ثم يعود ويقدم العصير أو الشاي أو القهوة أو الطعام أيًا كان، ثم نجد الشخص نفسه وعلى مرأى ومسمع من زبائن هذه الأمكنة السياحية الفاخرة وهو “يكنس الأرض” ويقوم بتنظيف الطاولات، وربما الحمامات، أي أن الذي يقدم إلينا الطعام والشراب هو نفسه عامل النظافة الذي يقوم بمهمته أمام الزبائن بين الطاولات، ثم يكرر الشيء نفسه داخل الحمامات وبين الطرقات.
هذا المشهد يفسد علينا أجواءنا السياحية، ويشوه صورة القطاع السياحي المتعوب عليه، ويفقد الضيف أو الزبون القادم من الخارج الثقة في تقاليد وتعاليم الجهات المنظمة لهذا القطاع سواء كانت وزارة السياحة أو الصحة العامة أو أية جهة تنظيمية أخرى.
أعرف أن هذا التصرف جاء تلقائيًا وأتمنى أن يكون استثنائيًا، أي بحسن نية، بهدف مساعدة الزملاء لبعضهم البعض، لكن ما هي ردة فعل الزبون عندما يتلقف مشروبه أو حساءه من نفس الشخص الذي يراه منظفًا لأرضية المكان، وحاملاً أكياس القمامة إلى الصناديق المخصصة في الشارع المعني، أو البراحة الخالية من أي تنظيم.
بالتأكيد سيفقد الضيف الثقة في المكان، وسيخشى على نفسه وصحته من تناول أي غذاء أو شراب نظرًا لعدم توفر شروط الأمن والسلامة والصحة والنظافة المرعية في كل حال، وكل عام وبلادنا بألف خير.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية