منذ أيام وأنا أتابع عن كثب ما يُقال وما يُثار حول الفيلم العربي “أم كلثوم” الذي تم عرضه قبل أسابيع قلائل في دور السينما المصرية، ومنذ أيام وأنا أترقب عن ظهر قلب ردود الأفعال حول هذا الفيلم، وإذا ما كان دقيقًا بالفعل ويحكي قصة حياة سيدة الغناء العربي بشفافية ونزاهة، أم أنه جاء للنيل من تاريخها، وتشويه سمعتها وسمعة بلادها، وتصويرها على عكس ما كانت عليه، وما نحن معتقدون فيه بشأنها.
في الذاكرة الجمعية للمواطن العربي يطلقون عليها اسم “الست” – يعني “السيدة الفاضلة”، ويعني ذلك أيضًا في الذاكرة المحسوبة بالعمر الذي عاشته والذي مارست فيه التأثير بالغناء للناس، والتوجيه للمجتمع بسلوكها المحافظ وفنها الراقي ومواقفها الوطنية والإنسانية التي لا تُنسى، في الوقت نفسه نجد أيادٍ خفية تحاول تحويل نظرة المجتمع عن تلك السيدة التي أبدعت قيميًّا وإنسانيًّا، فحاولت تلك الفئة الإساءة إليها بشتى الطرق، مرة بتصويرها على أنها كانت شديدة الحرص على المال، رغم أنها قامت بجمع تبرعات مليونية للمجهود الحربي من جميع حفلاتها التي أقامتها داخل وخارج مصر بعد نكسة 1967، والبعض يحاول تصويرها على أنها كانت وفية للعصر الملكي لأنها قامت بالغناء لـ “القصر” في عهد الملك فاروق الأول، واستشهدوا على ذلك بأغنية “يا ليلة العيد”. وها نحن اليوم أمام الفيلم المُختلَف عليه شكلاً وموضوعًا، “الست أم كلثوم” الذي يتم عرضه حاليًا وسط ضجيج لم يسبق له مثيل على وسائل التواصل الاجتماعي.
أهم ما قرأته صباح اليوم على صفحة البروفيسورة إيمان مهران، الناشطة الاجتماعية المعروفة وأستاذة التراث الشعبي في أكاديمية الفنون، هو ما ذكرته بشأن تلك الحملة الممنهجة للنيل من قوة مصر الناعمة، تارةً بمحاولة سحب البساط منها كعاصمة أبدية للفن، وأخرى بنقل بعض الاحتفالات الأيقونية إلى عواصم أخرى بشكل متكرر ومقصود وليس من باب المصادفة أو التنويع، وتارة أخيرة خلال الأفلام المشبوهة التي حاولت تصوير الشخصية المصرية على أنها شخصية انتهازية لا تسعى سوى إلى المال، ولو على حساب الكرامة والقيم والتاريخ النضالي والإبداعي والقيمي الطويل.
وأنا اليوم أمام مقال على صفحة السيدة القديرة إيمان مهران وهي تصف تلك المشاهد المزرية من فيلم “أم كلثوم” وكأنها محاولة لتعرية ما كانت تحاول “الست” إخفاده من خجل واستحياء ومحافظة على العادات والتقاليد والقيم الإنسانية العربية الراقية.
الدكتورة إيمان مهران لا تنكر أنها وقعت في فخ ذلك السؤال: “هل فيلم الست حلو ولا وحش؟”، وتجيب: “إن هذا الفيلم، بعيدًا عما إذا كان “حلو أو وحش”، هو فيلم خبيث”، مصورةً إياه بأنه عن طريق آليات الإبهار في السينما المعاصرة حاول الفيلم الظهور كقاتل يرتدي بدلة “شيك”، أما الخبث فقد كشفته عدة مشاهد حاولت ضرب الروح في الصميم، وكذلك الصورة الذهنية عن السيدة أم كلثوم في وجدان عشرات الملايين من الناس، وهي صورة مثلما أشارت إيمان مهران عاشت “الست” وماتت وهي تحافظ عليها وترسمها بكل حرص، علاوةً على أنها كانت تبذل الغالي والنفيس لكي الرداء الجميل الذي يغطي جسدها في حياتها وبعد موتها، وبما يليق بها وببلدها وجمهورها الراقي الوفي.
الآن وبعد نصف قرن من رحيلها الكبير، ومثلما تصف الدكتورة مهران، يخرج علينا أناس “منا” للأسف الشديد محاولين سحب هذا الرداء من فوق الجسد المهيب المُسجى في ذاكرتنا بكامل البهاء، حيث قام القائمون على هذا الفيلم “المغرض”، وطوال ثلاث ساعات متواصلة، بسحب هذا الرداء العفيف من فوق جسد “الست” – “حبة.. حبة”، حتى تعرت لأول مرة في تاريخها، قاموا بتمزيق الرداء الجميل الذي كان يسترها ويستر بلادها وشعبها، وقد تحقق للأسف الشديد لهؤلاء ما كانوا يسعون إليه بتعمد وتخطيط ممنهج، وبآليات مدروسة ومعروفة ومفهومة سلفًا لضرب الصورة الذهنية لسيدة الكرامة العربية، وليس فقط الغناء العربي.
وفي النهاية، تعترف الدكتورة إيمان بأنها وقعت في فخ الإجابة عن السؤال البديهي “حلو ولا وحش؟”، ذلك أن الحديث الأكثر كشفًا عن الحقيقة كان لابد أن يتطرق إلى علاقة الفيلم بالوعي والروح والمكانة، وهي المساحة التي تعرضت لعدوان فاشي مدروس، ولإصابات في الوجدان والإلهام والسريرة، والله وحده المُنجّي.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية