كانت القاعة تزينها ألوان الفرح، لكن خلف تلك الزينة تختبئ حكايات حزينة لا يراها إلا من اقترب. دخلت دارا لرعاية العجزة في فعالية اجتماعية جميلة، فاستقبلتني ابتسامات باهتة تخفي خلفها سنوات من الانتظار والوحدة. أصوات الموسيقى الخافتة لم تستطع أن تطغى على صمت العيون، ذلك الصمت الذي يصرخ بألف كلمة. جلست بين مجموعة من كبار السن، وكل منهم يحمل في عينيه سؤالًا واحدًا: أين هم أبنائي مني؟ كان الحزن يملأ المكان، رغم أن هؤلاء الآباء كانوا يومًا أعمدة بيوت لا تنهار، وأبطال قصص النجاح التي يرويها الأبناء اليوم في مجالسهم.
بعد دردشة خفيفة عن الأسرة ووصل الأولاد، اقترب مني رجل في الثمانين، يده ترتجف وهو يمسك عصاه، وقال لي بصوت خافت: “أبنائي في مناصب مرموقة، لكنهم نسوني تمامًا، وكأنني لم أكن يومًا سندهم، لحظات السعادة الوحيدة الباقية لي، حين أحضر كل صباح هنا للقاء أصدقائي الطيبين.” تذكرت حينها قول الله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، آية تختصر كل ما غاب عن هؤلاء الأبناء الذين انشغلوا ببريق المناصب ونسوا نور البر. أحد المفكرين قال: “النجاح الحقيقي ليس في اعتلاء الكراسي، بل في أن تظل يدك ممسكة بيد من صنعك”.
ما سمعته في ذلك اللقاء ليس مجرد حكايات فردية، بل هو انعكاس لظاهرة اجتماعية تتسع يومًا بعد يوم. في زمن السرعة والانشغال، أصبح كبار السن في كثير من البيوت غرباء، رغم أنهم كانوا يومًا مصدر الأمان والحنان. هذا الانفصال العاطفي يترك آثارًا نفسية عميقة، ليس فقط على الوالدين، بل حتى على الأبناء الذين يفقدون بركة الرضا ودفء الأسرة. خرجت يومها من الدار وأنا أحمل سؤالًا يثقل القلب: ما قيمة المجد إذا كان على حساب من منحونا الحياة؟ لعل هذه الحكايات المؤسفة تكون جرس إنذار، فبرّ الوالدين ليس خيارًا، بل هو تاج يزين كل إنسان مهما علت مكانته.