العدد 6264
الإثنين 08 ديسمبر 2025
إنه ألم الغياب يا هشام!
الإثنين 08 ديسمبر 2025

 أرسل لي أخي الأصغر هشام قبل أيام صورتين: الأولى للوحة بسيطة ثبتها على قبر الوالد رحمة الله عليه، والذي رحل عنّا قبل نحو ثماني سنوات، كتب عليها باللون الأخضر العبارة التالية: “هنا يرقد الحاج محمد... الراحل إلى رحمة الله”، والصورة الثانية لأخي هشام وهو يجلس حذو القبر مبتسما. وقد كتب على الصورة الثانية العبارة التالية: “أخيرًا أصبح للوالد عنوان يستدل به على مرقده”. أثار التعليق في نفسي مشاعر مختلطة وصورًا وذكريات حسبت أنها غابت أو اختفت: ثماني سنوات غابت والحاج محمد من دون عنوان!
كتبت لأخي هشام ما أثارته في نفسي الصورتان والتعليق الغريب: “أي عنوان يا هشام وأي مفارقة وأي وأي... قد يدهشنا حجم قسوة الحياة التي تجعلنا بعيدين، بالرغم من شدة قرب قلوبنا، وحزانى بالرغم من ضخامة ما في هذه القلوب من فرح مكتوم، نبحث عن طريق لنعبر من خلاله عن أنفسنا، قد يكون العيب فينا أو قد يكون العيب في الحياة أو في المفارقات التي تجعل من محطة الوصول إلى لحظة الفرح خط نار، وتجعل من لحظة السعادة لحظة مسروقة بين ألمين: ألم الحضور وألم الغياب. الغياب هو العنوان الذي نتشارك فيه وجودًا وعدمًا.
قد نشعر أحيانًا بأن خياراتنا في زحمة الحياة - إن صح أن نسميها خيارات - غير موفقة لأننا اعتقدنا أننا نصمم ما نريد ونفعل ما نريد، ولكن سرعان ما نكتشف أن خارطة الحياة تم تصميمها سلفًا لتكون نهائية، وخطواتها يجب أن نمشيها، وأن محطة القطار التي توقفنا عندها لم تكن مقصودة أصلاً. 

لأننا كعائلة مهاجرة كتب علينا الرحيل المستمر عبر الفيافي القفار، من دون أن نضمن جداول الرحلات. قد يكون لنا دور في التفاصيل، في الألوان والأشكال والمقاسات، لكن الخارطة تمت هندستها مسبقاً. وعندما يصبح الصباح دون أن تبزغ الشمس وفي المساء يأتي الغروب ولا تغيب الشمس.. وعندما نتوقف عن الحلم والأمل يجب أن نغادر سريعًا.
موت الحلم وخيبة الأمل في خط الزمان الهارب هو من يرسم خطوط غيابنا وعناويننا. فجميعنا – يا هشام - من دون عناوين يستدل بها علينا إلا هناك حيث تقف وحيث التقطتَ الصورتين، إن كنا محظوظين أصلًا.


كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية