العدد 6253
الخميس 27 نوفمبر 2025
وفرة من أصدقاء مزيفين!
الخميس 27 نوفمبر 2025

ذكرني ما نحن عليه من نفاق اجتماعي تحول إلى قاعدة في التعامل مع الآخرين، بمقطع في رواية الكاتب الفرنسي بلزاك “بنت حواء”، (في القرن 19م)، يتحدث فيه عن المشتغلين بالصحافة تحديدا، حيث جاء في المقطع قوله: “في كثير من الأحيان نضطر للتعامل مع أشخاص لا يستحقون الاحترام، ولكن النفاق الاجتماعي يضطرنا إلى أن نمد إليهم أيدينا مصافحين، خوفاً من أحابيلهم، أو من أن نحتاج إليهم في يوم من الأيام. ما يؤدي إلى أن تكون لنا وفرة من “أصدقاء مزيفين”، تجعلنا نشتهي أن يكون لنا أعداء حقيقيون يستحقون الاحترام”.
وفي نفس هذا السياق تحدث الصحافي الفرنسي كلود جوليان، في مقالة مهمة منشورة في صحيفة “لوموند ديبلوماتيك”، في بداية الألفية بعنوان: “واجب التقليل من الاحترام”، والذي أكد فيه أن الكاتب الحقيقي يفضل الهروب من النفاق والكذب والمتاجرة بقلمه إلى الانعزال بعيداً عن هذا الضجيج الملوث الذي غالباً ما يشوّش الرؤية والعقل ويشلّ التفكير، عن العيش وسط هذا العالم المضطرب والسكران. ومما جاء في هذا المقال قوله: “لا تزال فعّالية التأمّل حاضرة في عالمنا رغم فساده وتفاهته، فخلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي شاهدنا أمثلة عديدة على ذلك. فمن داخل ديره، عرف الراهب الأميركي الممتنع عن الكلام كيف يكشف بصمته حجم المشاكل العنصرية، بشكل أفضل بكثير مما فعله علماء الاجتماع في العالم، وبدقة أكبر من المناضلين الذين شاركوا في النضال من أجل الحقوق المدنية، وغالبيتهم تخلّوا بسرعة عن المعركة أو غيّروا توجّهاتهم استجابة للإغراءات”.
هذان المثالان - وإن كانا من بيئة غربية، يفترض أن الناس فيها أحرار وأقل خضوعًا للمغريات، ومع ذلك وقعوا في شراك قلة الاحترام - فإنهما ينطبقان بشكل أو بآخر على حالنا في البلاد العربية وإن بصور مختلفة. ومع ذلك فإن هذا الوضع المزري والمتعب لا يجب أن يدفعنا إلى الإحباط واليأس في مواجهة الفساد والتفاهة. لأن الرهان هو على الوعي الحر الذي بإمكانه وحده أن يقفز بنا فوق هذه المنظومة المتكاملة من قلة الاحترام وبيع الضمير في سوق التفاهة الرخيص.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .