العدد 6246
الخميس 20 نوفمبر 2025
التعايش مع اختلافاتنا الأبدية
الخميس 20 نوفمبر 2025

 إذا كنا إلى اليوم غير قادرين على تقبل اختلافنا فيما بيننا في أغلب الأحيان، فكيف نكون قادرين على القبول باختلافاتنا مع الآخرين من خارج دائرتنا الثقافية والدينية.
ولا يمكن تبرير ذلك بالاعتبارات الدينية فقط، وذلك لأن الإيمان الديني – من الناحية النظرية على الأقل – يفترض أن يكون عاملًا معززًا للتسامح والتضامن بين بني البشر. لكنه تحول في الواقع وفي معظم الأحوال إلى أداة غالبًا ما يجري استغلالها وتوظيفها لتعزيز الكراهية بين الناس. فالإيمان له وظيفة روحية وأخرى سياسية، وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت، وذلك أن الديني والسياسي عندنا يرتبطان، والكلام عن الفصل بينهما يبقى نظريًّا في أغلب الأحيان. ولكن هذا الارتباط بين الديني والسياسي عرفته حتى دول الغرب المسيحي، ولم تتجاوزه إلا بعد دخول أوروبا مرحلة الحداثة، وظهور الدولة الرأسمالية وعلمنة الحياة العامة فتراجع الديني إلى المجال الخصوصي وانسحب من الفضاء العام.
وتعذر حدوث ذلك في البلاد العربية لأسباب عديدة منها أن النظام الرأسمالي القائم على منطق النفعية والربح المطلق دون اعتبارات أخلاقية وإنسانية، استباح السيادات الوطنية وتعدى على شعوبنا ودولنا في المرحلة الاستعمارية، الأمر الذي أذكى مشاعر الإحباط وغذّى في بلادنا ثقافة الأصوليات التي تحطّمت معها القيود وانفلتت مشاعر التعصّب من عقالها، ونتجت عن ذلك مواجهات أدخلت العالم في دائرة جهنمية من العنف والعنف المضاد. وكما فشلت جهود النهضة الأولى وجهود الدولة الوطنية في الخروج من هذه الدوامة، فقد فشلت الأصولية الإسلامية بصيغها المختلفة في فرض رؤيتها على المجتمع والدولة معًا.
وها نحن اليوم في مواجهة المجهول مجددًا، والعالم من حولنا يمور بالتحولات وينقسم على نفسه في كتل وتجمعات، إلا نحن لا نزال حائرين تائهين لا ندري إلى أين نتجه. ومع كل ذلك فإن الحداثة ستبقى أساس التقدم والمدنية التي تجعل الدولة تنظر إلى الإنسان باعتباره مواطنًا حرًّا بغض النظر عن دينه أو مذهبه، وإنسانية الإنسان هي القيمة المطلقة، ويبقى التسامح الورقة التي تصمد أمام الشر والكراهية والعنف. أما عن اختلافاتنا مع أنفسنا أو مع الآخرين فقد يكون الحل فيما اقترحه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان: “قد نظل مختلفين إلى الأبد، ولذلك ليس أمامنا سوى أن نتعايش باختلافاتنا الأبدية”.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .