سادت في السنوات الأخيرة، تزامنًا مع استشراء موجة الاستهلاك وسلسلة الهزائم التي تعرض لها العرب، حالة انحطاط عام في الذوق الثقافي والفني، تزامنا مع الانحطاط العام في القيم الإبداعية و”الثقافة الجماعية” و”الجهد الثقافي الجماعي” وعمل “المؤسسات الثقافية” و”الجماعات الثقافية”، واستشراء النزعات “الفردية”.
ولا غرابة والوضع على هذا النحو أن تنتشر موسيقى (هز الوسط) التي تهيمن على المشهد، وليست المسألة هنا مسألة (أجيال) كما قد يتبادر إلى الأذهان، إنها مسألة تحول انحطاطي يكرس الخواء وانعدام الذوق. حتى كادت الأغنية الجميلة كلمة ولحنا وأداء تختفي لتحل محلها السخافات والإيقاعات السوقية الفاضحة، ومع ذلك فجداول أوقات كتاب السخافة ومغني التفاهة مزدحمة بالمهرجانات والحفلات والأعراس والمقابلات مدفوعة الأجر، فلا يجدون مساحة لأغنية تحكي عن الإنسان أو الأوطان. ومع أن النجومية الموسيقية مازالت مرادفة للردح، فإن ذلك لا يمكن ولا يجب أن يخفي عنا أن الأغنية التي تهز الضمائر لا تزال – على ندرتها - تجد تأثيرها واحترامها لدى الناس رغم التصدعات التي مست الوعي العام.
مارسيل خليفة، ماجدة الرومي، جوليا بطرس، إيمان بحر درويش.. هؤلاء فنانون ملتزمون بقضايا الإنسان والأمة والفن والإبداع، أسماء أخذت مواقعها على ساحة الموسيقى والغناء بأغانِ بعيدة عن موجات الركاكة والسخافة، تحملت عبء الأغنية الملتزمة ونجحت في جعل الأغنية تهم كل الناس، ونجحت لأنها مزجت بين الطرب وجمالية الكلمة واللحن، وبين هموم الأوطان والإنسان.. بعيدًا عن المعاني اللصيقة بالجسد العاري، فنقلت الأغنية من (هز الوسط) إلى هز الضمائر، دون أن يعني ذلك عدم القدرة على استقطاب الجمهور، بمن في ذلك جمهور الشباب المتهم باطلا بالانجرار وراء السخافة.
كما لا يجب أن ننسى الفرق الموسيقية العربية من أمثال فرقة أجراس البحرينية، فرقة سيد إمام المصرية، فرقة أغاني العاشقين الفلسطينية، وفرقة الحمائم البيض التونسية، ومن قبلها ومن بعدها العديد من الفرق التي حملت على عاتقها مسؤولية الفن الملتزم.
إنه جيل آخر من الفنانين الذين صنعهم تاريخ نضالي ووعي فكري وانتماء إلى قضية وروح الموهبة والإبداع.. لذلك لم يكن غربيًا أنْ تمثل أغانيهم المتنفس الباقي للذين ينشدون العمق والأصالة والجمال في الأغنية الضالعة في عشق الوطن في مواجهة الإفلاس الإبداعي، وسخف الكلام وتشويش الألحان.
كاتب وإعلامي بحريني