أسوأ ما يمكن أن يصيب المجتمعات هو فقدان الحس الإنساني بسبب ارتفاع منسوب الكراهية الذي يكاد يغطي على ما يجمع الناس من محبة وتعاطف، ويضخم – في المقابل - ما يختلفون فيه.. ويبدأ هذا الأمر عندما ينبري بعض المحترفين في القيام بدورهم كمشعلي حرائق.
عندما يكون المجتمع مستقرا متوازنا يكون متعايشا متضامنا، وينظر إلى التنوع كمصدر ثراء لا مصدر صراع، وينعكس ذلك على حركة الفكر والرأي والإعلام. وعندما يتعرض المجتمع إلى الاهتزاز الاجتماعي والإنساني - خصوصا إبان الأزمات - يتحول كل شيء فيه إلى حالة صراعية غير صحية، وغالبا ما تكون هذه الصراعات ذات منشأ وهمي، ومع ذلك تتسبب في تصاعد الخطاب المغذي للكراهية الذي يستحضر من أعماق التاريخ صورا وسرديات لا علاقة لها بواقع الناس في هذه اللحظة من التاريخ. وسريعا ما ينعكس ذلك على الإعلام والمجتمع وينتشر عبر وسائل الإعلام الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، وذلك لأن النفوس تم إعدادها وتهيئتها لتقبل مثل هذه السرديات المعمقة للاختلاف. وبالرغم من المحاولات الصادقة لدرء مخاطر الطائفية والحد من تداعيات خطابها ولغتها ونتائجهما على العلاقات الإنسانية، وبالرغم من الدعوات النبيلة الواعية بالمخاطر الجمة، فإن خطر هذا الخطاب لا يزال يطل برأسه من حين لآخر، ليسهم في تسميم أجمل ما بقي لدى الناس وهو العلاقات الإنسانية العابرة للطائفية.
ونتيجة لذلك شهدنا خلال السنوات الماضية – ولأسباب عديدة – انحدارا مدهشا في خطاب الوحدة والتضامن والتسامح، وبدلا من الاشتغال بقيادة الرأي العام نحو قيم العدالة والتسامح والمساواة والوحدة الوطنية، يشتغل البعض في الترويج للطائفية من مختلف الجهات.
وقد شهدنا غرائب لا تصدق، وكتابات مدهشة في انحدار لغتها التي تطل من حين لآخر أو تنشط في المناسبات، لتجييش المشاعر وافتعال الحملات، ولم تعد مجازاتها وإيحاءاتها خافية عن أحد، كونها في تقاطع تام مع تاريخ الأوهام، الذي تصول فيه الحملات الطائفية، وهي حملات تعي طائفيتها فيدافع عنها أصحابها بشدة، بعضها يشكل سافر تماما، وبعضها أكثر حياءً، يتستر بمسميات وعناوين مضللة ضمن فلكلور الشتائم المتبادلة الذي يدخل في منافسة تامة مع الحسن الإنساني الجامع.