العدد 6258
الثلاثاء 02 ديسمبر 2025
القمة الخليجية 46.. اقتصاد متكامل وتنمية إنسانية مجتمعية ورؤية بحرينية تتجدد
الثلاثاء 02 ديسمبر 2025

  • القمة الخليجية 46.. اقتصاد متنوع يقوده الإنسان ورؤية بحرينية تتقدم المشهد

  • من المنامة يُرسم المستقبل.. الخليج يدخل عقدا جديدا من التنويع والتنمية البشرية

  • تكامل اقتصادي وتمكين شبابي.. الخليج يستعد لمرحلة أكثر مرونة واستدامة

تأتي القمة الخليجية السادسة والأربعون في لحظة إقليمية حساسة، وفي سياق دولي يشهد تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة، ما يجعلها واحدة من أهم القمم في السنوات الأخيرة. ومع اتساع رقعة التحديات العالمية، لم يعد العمل الخليجي المشترك خيارا استراتيجيا، بل ضرورة لضمان الاستقرار وتعزيز مكانة الخليج في الاقتصاد العالمي.
من زاوية اقتصادية، تكشف التقارير الرسمية عن تحوّل هيكلي مهم في اقتصادات دول مجلس التعاون. ووفقا لتقرير صادر عن البنك الدولي للعام 2023، سجلت القطاعات غير النفطية في دول الخليج نمواً يتراوح بين 3.3 % و3.9 % خلال العام، وذلك تبعاً لاختلاف هيكل كل اقتصاد. كما تشير بيانات رسمية صادرة عن وزارات المالية وهيئات الإحصاء في دول المجلس إلى أن مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي متفاوتة بحسب هيكل كل اقتصاد، حيث تتراوح بين 60 % و80 %، ما يعكس تقدما واضحا في مسار تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط الأحفوري. هذا التحول يعزز مرونة اقتصادات دول الخليج أمام التقلبات العالمية، ويفتح آفاقا أوسع لقطاعات الخدمات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية فينتك.
ويمتد أثر هذا التنويع إلى المواطن الخليجي بصورة مباشرة، إذ تؤكد تقارير اقتصادية خليجية أن توسع القطاعات غير النفطية ساهم في توليد فرص عمل نوعية، وتقليل الاعتماد على الوظائف التقليدية، وخلق مسارات جديدة للابتكار وريادة الأعمال. كما أن انخفاض حساسية الاقتصاد لتقلبات النفط ينعكس استقرارا أكبر على الأسر الخليجية، عبر تقليل المخاطر المرتبطة بالعجز المالي أو تقليص الإنفاق العام. وتشير بيانات رسمية إلى انخفاض معدلات البطالة بين المواطنين في دول خليجية عدة منذ العام 2023، مدفوعة بالتوسع في القطاعات الحديثة التي تعتمد على المهارات والمعرفة.

وانطلاقا من هذه التحولات الاقتصادية، يبرز البعد الاجتماعي والتنموي كأحد المحاور الأساسية في مسار العمل الخليجي المشترك، خصوصا في ظل التحولات الواسعة وعالية التقنية التي تشهدها القطاعات الحديثة المعتمدة على المهارات والمعرفة. فقد أصبحت دول الخليج أمام ضرورة الاستثمار بشكل أعمق في رأس المال البشري عبر تطوير التعليم والتدريب النوعي، وتبني سياسات نشطة لسوق العمل قادرة على خلق فرص جديدة، وتحفيز الشباب على الابتكار وريادة الأعمال، بما في ذلك تعزيز المشروعات الخضراء والمشروعات المساندة لها كونها أحد المسارات التنموية الواعدة في المنطقة. ويؤكد هذا التوجه أن الإنسان، وبوجه خاص المواطن الخليجي، سيظل العنصر الحاسم في تنافسية الاقتصاد الخليجي، وفي تعزيز قدرة دول المجلس على التكيف مع متطلبات المستقبل.
وفي السياق البحريني، تحمل القمة أبعادا نوعية تتقاطع مع رؤية البحرين 2030 وتطلعات 2050، لاسيما في مجالات التكنولوجيا المالية والطاقة المستدامة والخدمات اللوجستية. ووفقاً لتقرير رسمي صادر عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني البحرينية للعام 2024، بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي نحو 86.0 %، وهي نسبة تعكس تقدم البحرين في مسار التنويع الاقتصادي وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني. كما أن وجود وزارة التنمية المستدامة يعزز دور البحرين في دعم المبادرات الخليجية المشتركة، خصوصا تلك المرتبطة بالتحول الأخضر والاستدامة والاستثمار في رأس المال البشري، مما يمنح البحرين مساحة لتأكيد دورها كمركز حيوي للابتكار وريادة الأعمال، وكحاضنة للتقنيات المتقدمة في المنطقة.
وعطفا على ما تقدم، تأتي هذه التحولات لتبرز اتجاها خليجيا متناميا نحو تعزيز التكامل في سوق العمل، من خلال السعي إلى تطوير منصة خليجية موحدة للتوظيف تتيح للمواطنين فرصا للعمل في دول المجلس كافة، وتسهم في دعم تبادل الخبرات بين جميع دول المجلس، وتلبية الطلب المتزايد على الكفاءات. ويعزز هذا التوجه قدرة دول الخليج على خفض البطالة، ورفع كفاءة رأس المال البشري، وتحقيق انسجام أكبر مع الهدف السابع عشر للتنمية المستدامة المتعلق بالشراكات والتكامل بين الدول. إن بناء مستقبل خليجي أكثر تنافسية يبدأ من الإنسان، ويكتمل ببناء منظومات عمل مشتركة قادرة على الاستجابة لطموحات المواطن وتحديات العقد المقبل، بما يعزز تكامل دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة واحدة في مجال العمل، ويعمّق استثماراتها في أبنائها من المواطنين.
وفي تقديري، ما يميز القمة الخليجية 46 ليس جدول أعمالها فحسب، بل اللحظة التحولية التي تعيشها المنطقة، والتي يمكن تلخيصها في جملة واحدة وهي:
الخليج يدخل مرحلة جديدة يقودها الإنسان، وتدعمها منظومات اقتصادية متنوعة تستقطب الاستثمارات الإقليمية والعالمية، بما يسهم في رفاهية المواطن الخليجي.
فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بحجم المشاريع فقط، بل بقدرتنا على خلق فرص مستدامة، وحماية الأسر الخليجية، وتعزيز مكانة المنطقة في الاقتصاد العالمي بثقة واستشراف.

* أستاذ الابتكار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة أكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .