يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًّا في كيفية النظر إلى التنمية الاقتصادية؛ فلم تعد الاقتصادات الحديثة تعتمد على الموارد التقليدية فقط، بل على الإنسان ذاته باعتباره المورد الأكثر ندرة وقيمة. وفي ظل تصاعد دور الاستدامة في صياغة السياسات الوطنية، بات الاستثمار في الاستدامة مقدمة أساسية لبناء رأس مال بشري قادر على الإبداع والمنافسة والمساهمة في تنمية وطنية عالية الجودة. ومع توجه الدول نحو نماذج الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الاستثمار ليشمل الاستثمار في صحة الإنسان أولاً، ثم وعيه وتعليمه ومعارفه ومهاراته وسلوكه، وصولًا إلى قدرته على التكيف مع تحديات المستقبل.
لقد أصبح الاستثمار في الاستدامة أحد المحركات الأساسية لتعزيز قيمة الإنسان في الاقتصاد الحديث، إذ تسهم ممارساتها في تطوير وعي الفرد وصقل مهاراته وترسيخ سلوكه المسؤول بما يعزز مكانته الاقتصادية والاجتماعية ويقوي قدرته على اتخاذ قرارات رشيدة تقلل الهدر وترفع الكفاءة. وبهذا المسار، تتحول الاستدامة إلى أداة منهجية لبناء رأس مال بشري واعد عالي القيمة قادر على الإبداع وابتكار حلول تنافسية، ليساهم في تنمية وطنية مستدامة ومتوازنة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والمواطن والمجتمع.
وفي هذا الإطار، يأتي التعليم المستدام بوصفه أحد أهم الركائز التي تسهم في بناء رأس مال بشري عالي القيمة، إذ يساهم إدماج مفاهيم الاستدامة في التعليم من المدرسة حتى الجامعة في تأسيس جيل يدرك العلاقة بين الاقتصاد والبيئة والمجتمع. فالتعليم الأخضر يعزّز مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي، ويُكسب الطالب قدرةً أعمق على تحويل المعرفة إلى سلوك يومي مسؤول. وفي الوقت ذاته، تعكس المؤشرات الوطنية حجم الجهد المبذول في تطوير التعليم وبناء القدرات. فبحسب آخر البيانات المالية المتاحة من وزارة المالية لعام 2023 بلغ الإنفاق الحكومي على التعليم نحو 330 مليون دينار بحريني، ليشكّل أحد أكبر بنود الصرف العام ويؤكد أولوية بناء جيل يمتلك مهارات المستقبل. كما تُظهر مراجعات الأداء الوطني المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة (Voluntary National Review-VNR 2023) تخصيص نحو 454 مليون دينار لبرامج الدعم والحماية الاجتماعية، وهي مؤشرات تعزز جودة الحياة والاستقرار الأسري بما ينعكس إيجابًا على المسار التعليمي. وقد بدأت الجامعات الوطنية والخاصة تبني توجهات تعليمية متقدمة من خلال إدراج مقررات الاستدامة ضمن البرامج الجامعية وتعزيز البحث العلمي في الطاقة والبيئة والحوكمة.
وتوضح بيانات هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية للأعوام 2023 - 2024 أن الجهود الوطنية في تطوير مهارات القوى العاملة شهدت توسعًا ملحوظًا، إذ استفاد أكثر من 18 ألف موظف حكومي من برامج التدريب الإلكتروني عبر المنصات الحكومية، فيما نُفّذ أكثر من 580 برنامجًا تدريبيًّا متخصصًا في المهارات الرقمية والإدارية، إلى جانب تدريب ما يزيد على 7,000 موظف في مجال التحول الرقمي. ورغم أهمية هذه الجهود، فإن تعظيم أثرها يتطلب ربطها بمنظومة تعليمية وبحثية أشمل تُسهم في نقل المهارات إلى القطاعين العام والخاص بصورة متوازنة ومستدامة.
وترتبط الاستدامة، كما تشير الدراسات الحديثة، ارتباطًا وثيقًا بالصحة الجسدية والنفسية؛ فالمفاهيم التي يتعلمها الطالب داخل الفصل الدراسي حول جودة البيئة وترشيد الموارد وأنماط الحياة الصحية لا تبقى محصورة في الإطار الأكاديمي، بل تنعكس على سلوكه اليومي وقدرته على اتخاذ خيارات أكثر مسؤولية. ومن المرجّح أن ينقل الطالب هذه المفاهيم إلى بيئته المنزلية، بما يسهم في رفع مستوى الوعي الأسري بالاستدامة وتعزيز انتشارها في المجتمع، ليقترب هذا السلوك من تحقيق أهدافه المنشودة على المستويين الاجتماعي والوطني. فالبيئة النظيفة والمساحات الخضراء وأنماط الحياة الصحية تقلل الأمراض وتزيد الإنتاجية، كما أن بيئة العمل المستدامة المتوافقة مع الأهداف السبعة عشر، بما فيها السلامة المهنية والرفاه النفسي، تسهم في رفع أداء الموظفين وتعزيز رضاهم، ما ينعكس على استقرار المؤسسات وجودة مخرجاتها وارتفاع كفاءتها الإنتاجية.
ومع تطور متطلبات سوق العمل، أصبح تحديث المنظومة التعليمية ضرورة ملحّة. فدمج مهارات المستقبل والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر في المناهج المدرسية والجامعية يعزز قدرات التحليل والإبداع لدى الطلبة، ويجعل التعليم مسارًا لبناء كفاءات وطنية قادرة على المنافسة. وفي هذا الإطار، تلعب وزارة التنمية المستدامة دورًا محوريًّا في مواءمة السياسات التعليمية مع التوجهات الوطنية للاستدامة، وضمان اتساقها مع مستهدفات رؤية البحرين طويلة المدى. كما ساهمت مبادرات وطنية مثل مركز ناصر للبحوث والتطوير والهيئة الوطنية لعلوم الفضاء في توفير بيئة تدريبية وبحثية متقدمة تساعد الشباب على تطبيق المعرفة في سياقات عملية.
وفي السياق نفسه، تتسع ملامح الاستدامة على مستوى البنية الوطنية عبر التحول نحو الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة والمباني الخضراء، إضافةً إلى التطلعات المستقبلية المرتبطة بمشروع القطار الخليجي ضمن رؤية البحرين 2050. وتمثل هذه التحولات بنية اقتصادية جديدة تُسهم بطبيعتها في خلق فرص عمل نوعية للمواطن في مجالات النقل البحري والخدمات اللوجستية، وفي الوظائف المستقبلية المرتبطة بأنظمة النقل الذكي والقطارات عند تنفيذها، بما يعزز مسار الإحلال ويرفع القيمة المضافة للوظائف الوطنية.
وتشير تقارير المنظمات الدولية مثل UNICEF وOECD والبنك الدولي إلى أن الاستثمار في التعليم والمهارات يعد من أعلى الاستثمارات عائدًا على مستوى العالم، إذ تظهر الدراسات أن كل دولار واحد يُستثمر في بناء رأس المال البشري يمكن أن يعود على الاقتصاد بما يتراوح بين 2.5 إلى 9 دولارات من حيث الإنتاجية والنمو وتقليل تكاليف البطالة والرعاية الاجتماعية. وهذه العوائد المرتفعة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان ليس إنفاقاً بلا عائد، بل أصل اقتصادي يولد قيمة سنوية متراكمة تسهم في رفع تنافسية الاقتصاد وجاذبيته الاستثمارية، وتدعم بناء اقتصاد قادر على خلق وظائف ذات قيمة مضافة وتعزيز مساهمة القطاعات المعرفية في الناتج المحلي.
وفي البحرين، تتسارع الخطوات نحو ترسيخ الاستدامة ضمن رؤية 2030 وتطلعات 2050 التي تستهدف بناء اقتصاد مرن قائم على المعرفة والابتكار والطاقة النظيفة. وقد انعكس ذلك في مبادرات تشمل الطاقة المتجددة والمباني الخضراء والنقل المستدام بما يعزز جاهزية الإنسان البحريني للتفاعل مع اقتصاد المستقبل، ويؤسس لرأس مال بشري متطور وعالي القيمة.
إن الاستثمار في الاستدامة هو استثمار مباشر في الإنسان قبل أن يكون في المشروعات أو البنى التحتية، فهو يطور وعي الفرد ويعزز مهاراته ويرتقي بصحته ويدعم تمتعه بحياة كريمة. كما أن خلق وظائف جديدة للمواطن وتعزيز سياسات الإحلال يمثلان ركيزة مهمة للاستدامة الأسرية، ويمنحان الفرد قدرة أكبر على التفكير والإبداع والمنافسة في عالم سريع التغير. ومع اتساع الرؤية الوطنية للمستقبل يتأكد أن الاستثمار الحقيقي ليس في الأصول المادية وحدها، بل في الإنسان الذي يصنع القيمة ويقود التنمية ويحوّل الطموح الوطني إلى واقع اقتصادي واجتماعي مستدام.
*أكاديمي بحريني