
منحت لجنة نوبل في ستوكهولم جائزة الاقتصاد لعام 2025 لثلاثة أكاديميين من أوروبا والولايات المتحدة تقديراً لإسهامهم في تفسير الدور الحاسم للابتكار والتجديد التكنولوجي في توليد النمو الاقتصادي. وقد أعادت هذه الجائزة إلى الواجهة نظرية اقتصادية رائدة تعود إلى أكثر من ثمانين عاماً، وهي نظرية الهدم الخلّاق (Creative Destruction) التي قدّمها الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter)، والذي رأى أن الابتكار هو جوهر الرأسمالية ومحركها الأهم.
شومبيتر اعتبر أن النمو الاقتصادي لا يتحقق عبر التوسع الكمي فقط، بل من خلال عملية تجديد مستمرة تهدم فيها ابتكارات ما هو قديم لتفسح المجال لما هو أكثر كفاءة وابتكاراً. إنها حركة دائمة من التغيير، يصاحبها أحياناً ألم اجتماعي مؤقت، لكنها في جوهرها تمثل القوة المحركة لتطور الاقتصادات الحديثة.
في عالم اليوم، أصبحت هذه النظرية أكثر واقعية من أي وقت مضى. فكل ابتكار جديد، سواء في التكنولوجيا أو الخدمات أو في الأنماط الأخرى للإدارة، يفتح باباً للنمو ويغلق آخر للأساليب القديمة. لكن الهدم الخلّاق لا يعني التدمير الفوضوي، بل هو تحول منظم ومدروس يضمن أن تتحرك المؤسسات نحو الكفاءة والجودة في الإنتاج والتشغيل، دون المساس بحقوق العاملين أو استقرار المجتمع.
وقد أظهرت الدراسات التي تناولتها أبحاث نوبل لعام 2025 أن الاقتصادات التي تشجع الابتكار وتسمح بخروج الكيانات الضعيفة ودخول أخرى أكثر إنتاجية، هي الأكثر قدرة على تحقيق النمو المستدام ورفع مستوى المعيشة. لكن نجاح هذا التحول لا يرتبط بالتغيير في حد ذاته، بل بإدارة هذا التغيير وفق رؤية مؤسسية متكاملة.
وفي هذا السياق، تشهد دول الخليج العربي منذُ عقدين تحولات اقتصادية وإدارية كبرى ضمن مساعيها لبناء اقتصاد متنوع قائم على الكفاءة والمعرفة. فقد اتجهت السياسات الحكومية نحو تحويل بعض الهيئات إلى شركات وطنية مستقلة تعمل وفق مبادئ الحوكمة الحديثة، مع فصل الدور التنظيمي عن التشغيلي. هذه الخطوات تمثل في جوهرها تطبيقاً عملياً للهدم الخلّاق بمعناه الإيجابي، حيث تُستبدل الأنظمة البيروقراطية بأساليب أكثر مرونة تعتمد على التكنولوجيا والتحول الرقمي وتحسين جودة الخدمات. غير أن نجاح هذه التحولات لا يقاس بالسرعة، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وهنا نقرب الصورة للقارئ، إذ تبرز مملكة البحرين مثالاً واضحاً على ذلك من خلال مشروعها الاستراتيجي في تحويل هيئة الكهرباء والماء إلى شركة وطنية للكهرباء والماء، الذي يشكّل نموذجاً للتحول الهيكلي في قطاعٍ حيوي يمس حياة المواطن اليومية. فالتحول لا يقتصر على تغيير الاسم أو الشكل القانوني، بل يعكس تغيراً عميقاً في فلسفة الإدارة العامة، من العمل البيروقراطي إلى الإدارة الحديثة القائمة على الكفاءة والمساءلة.
يهدف المشروع إلى فصل الدور التنظيمي عن الدور التشغيلي، بحيث تبقى الحكومة الجهة المنظمة والمشرفة التي تضع القوانين والسياسات العامة وتراقب حسن تطبيقها، بينما تتولى الشركة الوطنية الجديدة الدور التشغيلي في إدارة الخدمة وتطويرها.
وبهذا الأسلوب يتحقق التمييز بين من يراقب ومن ينفذ، مما يعزز الشفافية ويرفع مستوى الكفاءة في الأداء العام.
كما يُمكّن هذا التحول الشركة من العمل بمرونة أكبر وفق قواعد السوق والحوكمة الرشيدة، مع ضمان جودة الخدمة وحماية حقوق المواطنين والموظفين على حد سواء.
وقد أكدت الحكومة، كما جاء في جريدة البلاد في أكتوبر 2025 أن هذا التحول يراعي الحفاظ على مكتسبات العاملين، ويفتح المجال أمام بيئة عمل أكثر إنتاجية وتنافسية تسهم في تطوير القطاع والخدمات المقدمة للمجتمع.
بهذا المعنى، فإن البحرين لا تهدم مؤسساتها، بل تعيد بناءها على أسس حديثة تواكب متطلبات الاقتصاد الجديد (الاقتصاد الرقمي) وتدعم مسار التنمية المستدامة. إنها تجربة تمثل الهدم الخلّاق في صورته المؤسسية الهادئة، حيث يتم استبدال الهياكل القديمة بأخرى أكثر فاعلية، دون الإضرار بالمصلحة العامة أو الحقوق الوظيفية.
إن الهدم الخلّاق ليس دعوة إلى الفوضى أو فقدان الوظائف، بل هو أسلوب حضاري لإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات على أسسٍ أكثر كفاءة وابتكاراً. وهو في جوهره عملية تطوير منظمة تحفظ حقوق المواطن ولا تمس مكتسباته التي كفلها الدستور، وتعزز الضمانات التي أقرها ديوان الخدمة المدنية في العدالة بالأجور وتكافؤ فرص التطور المهني وزيادة الإنتاجية.
ومن هذا المنطلق، فإن الهدم الخلّاق لا يلغـي الوظائف، بل يغيّر طبيعتها، فيحوّل التحديات إلى فرص عمل جديدة تستوعب الأجيال القادمة من الجامعيين وخريجي المدارس الفنية والثانوية، ليبقى المواطن البحريني هو المحور الرئيس في التنمية الوطنية، لا متفرجاً على التغيير، بل شريكاً فاعلاً فيه.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تواصل الحكومة الموقرة مراقبتها الدقيقة لأداء الشركة الوطنية للكهرباء والماء، بما يضمن الالتزام بسياسات بحرنة الوظائف وتمكين الكفاءات الوطنية في مواقع القرار، لما لذلك من أثر مباشر على استقرار المجتمع البحريني وتعزيز الإنتاجية وتقليل نسب البطالة. وتُعد هذه المراقبة ركيزة أساسية لنجاح تجربة التحول المؤسسي وتحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية معاً.
إن مواكبة الحكومة لأحدث التطورات تُحسب لها كإضافة نوعية، وذلك من خلال سعيها إلى إعادة ابتكار نفسها، كما في مشروع تحويل هيئة الكهرباء والماء إلى الشركة الوطنية، إذ لا تهدم القديم عبثاً، بل تعيد البناء على أسس حديثة توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، لتؤكد أن التغيير الواعي هو الطريق إلى مستقبلٍ أكثر استدامة وابتكاراً.
ويظل نجاح هذا التحول مرتبطاً بمدى تفاعل المواطن وثقته في المسار الجديد، إذ إن الإصلاح المؤسسي لا يُقاس بإتمام التحول فحسب، بل بقدر ما يُحدثه من تكاملٍ بين الدولة والمجتمع، وبما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات واستقرار الأسر البحرينية.
وعليه، سيبقى هذا السؤال الجوهري مطروحاً:
هل تقدم البحرين اليوم نموذجاً عملياً يُحتذى به في إدارة التحول المؤسسي وحفظ حقوق ومكتسبات المواطن؟
* أكاديمي بحريني