لا شكّ أن الازدحام المروري بات يشكّل مصدر إزعاج للمواطنين والمقيمين، خاصة خلال فترات محددة من العام عندما تتزامن فيها إجازات المدارس في البحرين ودول الجوار، وتشهد خلالها البلاد في الفترة نفسها زخمًا كبيرًا من الفعاليات الترفيهية والاقتصادية والرياضية والمعارض المتخصصة. وبينما يعبّر البعض عن استيائه من صعوبة التنقل وطول الانتظار، إلا أنني أعتقد أن هذا المشهد الذي نراه في الشوارع يخفي في طياته الكثير من الإيجابيات التي تستحق التأمل.
فبحسب الإحصاءات الرسمية، بلغ عدد المركبات المسجلة في البحرين عام 2023 نحو 747,350 مركبة، منها 575,294 سيارة خاصة. وفي عام 2024 ارتفع العدد إلى حوالي 768,299 مركبة، بزيادة تقارب 17,500 سيارة خلال عام واحد فقط!.
لاشك أن هذه الأرقام توضّح مدى النمو في الاعتماد على السيارة الخاصة، وما يخلقه ذلك من ضغط واضح على شبكتنا الطرقية، لاسيما خلال مواسم الذروة. هذا الواقع ليس مستغربًا في دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 1,655,805 نسمة فقط، ما يعني أن نسبة امتلاك السيارات هي من الأعلى في المنطقة قياسًا بعدد السكان!.
ومع ذلك، يجب ألا نغفل أن هذا الازدحام - رغم سلبياته اللحظية - هو في جوهره مؤشر اقتصادي إيجابي. فالحركة المرورية النشطة تدل على حركة تجارية موازية؛ فالمعارض والمهرجانات والأنشطة المختلفة تجذب الزوار، وتنعش المراكز التجارية والقطاع الفندقي والمطاعم، وتخلق فرصًا أكبر لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة. إن ضخ الزوار والمتسوقين يساهم في معالجة الكساد وضعف القوة الشرائية، وهو ما لا يمكن للمواطنين وحدهم - بإمكانياتهم المحدودة - تحقيقه دون دعم الزوار من الخارج.
بمعنى آخر... إذا كان الازدحام يظهر في مناسبات معيّنة، فهو دليل على أن البحرين مقصد نشط، وأن اقتصادها يتحرك وينتعش. وهذه حالة وقتية وأن إيجابياتها أكثر من سلبياتها، وما علينا إلا أن نتعامل معها بوعي ومرونة لحين انقضاء فترات الذروة التي لاتكون فيها طويلة.
أما من ناحية الحلول، فالتذمر وحده لا يكفي. إن مواجهة الازدحام تتطلب مواصلة تطوير البنية التحتية من خلال بناء المزيد من الجسور، وتوسعة الشوارع حيث يلزم، والأهم من ذلك تطوير وسائل نقل بديلة مثل المترو وأنظمة النقل الجماعي الحديثة. كما أن تحديد العمر الافتراضي للمركبات وتنظيم أعدادها سيكون له دور فعّال في تقليل الضغط على الطرق.
في المقابل، لنكن واقعيين أكثر حيث هذه الظاهرة ليست بحرينية خالصة فحسب، بل إن هناك الكثير من دول الخليج وآسيا وأوروبا تعاني ازدحامات خانقة خلال مواسم الإجازات والفعاليات الكبرى. الفرق أن البعض يتسلّح بثقافة التحمل ويعي أن المنفعة العامة تستحق بعض الصبر المؤقت.
الخلاصة… إذا كان الازدحام علامة على الحركة والنمو، فعلينا جميعًا أن نتحلّى ببعض الهدوء وأن نساند هذه الحيوية الاقتصادية بالوعي والتعاون وقليلاً من التخطيط، ويجب علينا الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة كخريطة جوجل ( Google Map ) كحل توفيقي.
لذا فإن الشوارع المزدحمة اليوم قد تكون هي نفسها التي تصنع لنا اقتصادًا أقوى غدًا، وليس كل ازدحامٍ يعد مرفوضًا، فبعضه دليل حياة.
ويبقى الأهم هو سلامة الجميع من خلال التقيد والالتزام بالقوانين والنظم المرورية.
والله من وراء القصد.