العدد 6254
الجمعة 28 نوفمبر 2025
الإقامة الذهبية.. بين سوء الفهم وحسن التدبير
الجمعة 28 نوفمبر 2025

في خضم النقاش الدائر بشأن قرار خفض الحد الأدنى للاستثمار العقاري لمنح الإقامة الذهبية من 200 ألف دينار إلى 130 ألف دينار، انقسمت الآراء بين من يرى في القرار تنازلًا غير مبرر، وبين من يعتبره خطوة اقتصادية ضرورية. ومع احترام كل وجهات النظر، فإن القراءة المتأنية تكشف عن أن القرار ليس مجرد خفض في مبلغ مالي، بل هو توجه استراتيجي ينسجم مع احتياجات السوق العقارية في هذه المرحلة.

لقد مرّ القطاع العقاري في السنوات الأخيرة بمرحلة تباطؤ نسبي انعكس على حركة البيع ووتيرة المشروعات، بل وحتى على ثقة المستثمر نفسه. وفي مثل هذه الظروف، تصبح سياسات التحفيز وسيلة لإعادة الحيوية للسوق وتنشيط الطلب على العقارات المطابقة للمعايير التي تستهدفها الإقامة الذهبية. فالمطلوب ليس بيع عقار بحد ذاته، بل جذب مستثمر يؤمن بالاستقرار طويل الأمد، ويوجه جزءًا من رؤوس أمواله نحو الاقتصاد المحلي، ويستهلك خدماته ويشارك في دورته الإنتاجية.

وتشير بيانات جهاز المساحة والتسجيل العقاري إلى أن معاملات العقارات في النصف الأول من العام 2025 بلغت نحو 775.2 مليون دينار بحريني عبر 5,099 صفقة، بارتفاع ملحوظ مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024 التي شهدت 5,005 معاملات. كما بلغت قيمة مبيعات المنازل نحو 215 مليون دينار بزيادة 14.54 % عن العام السابق، فيما سجلت مبيعات الشقق نحو 107.8 مليون دينار بزيادة 1.91%. وهذه المؤشرات تكشف عن أن السوق تتحرك بالفعل، لكنها بحاجة إلى مزيد من الزخم والدفع للأمام، وهو ما يوفره القرار محل النقاش.

وتجدر الإشارة إلى أن معاملات الأجانب سجّلت ارتفاعًا بنسبة تفوق 20 % مقارنة بالعام الماضي، في مقابل زيادة بلغت نحو 4 % فقط لدى البحرينيين. وهذا يعني أن هناك قاعدة متنامية من المستثمرين ترى البحرين وجهة مناسبة، وأن تخفيض الحد الأدنى سيزيد من رغبتهم في الدخول إلى السوق والاستثمار فيها. فدول العالم تتنافس اليوم لاستقطاب رؤوس الأموال، ومن الطبيعي أن تطور البحرين برامجها بما يعزز موقعها في هذا السباق بما يتطلب من مرونة أو إعادة النظر في خططها الاستراتيجية، على أن يتم مراجعتها بشكل دوري، حيث من الممكن رفع السقف إذا شهدت السوق العقارية تعافيا ونموا ملحوظا.

من وجهة نظري المتواضعة، فإنني أرى أن القلق الذي يعبّر عنه البعض بشأن مستوى العقارات المستهدفة بالإقامة الذهبية مفهوم، إلا أن قيمة العقار ليست هي المعيار الوحيد لضمان الجودة، فهناك ضوابط وشروط تحافظ على مستوى العقارات ومواصفاتها. ثم إن الهدف ليس التسهيل على حساب السمعة، بل توسيع دائرة الفرص الاقتصادية دون التفريط في المعايير.

فعندما تتحرك السوق العقارية، تتحرك معه قطاعات أخرى عديدة: البناء، التمويل، الوساطة، الأثاث، الصيانة، والخدمات اللوجستية وغيرها ، وبالتالي فإن تأثير القرار يتجاوز مجرد زيادة البيع، ليصل إلى خلق فرص عمل ودعم الاقتصاد الكلي وتعزيز الثقة في السوق.

إن القرار في جوهره يعكس مرونة اقتصادية وقدرة على التكيّف مع المتغيرات، وهو ما تحتاجه البحرين اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالثبات على شروط سابقة لم تعد مناسبة للواقع قد يؤدي إلى مزيد من التباطؤ، بينما التحديث المدروس يعيد الدورة الاستثمارية إلى مسارها الصحيح.

الخلاصة، قد يختلف البعض في تقييم القرار اليوم، لكن نتائج السياسات لا تُقاس بحجم الجدل حولها، بل بمدى نجاحها في تحقيق الأثر الذي صُممت أو خططت لأجله. وعند تحريك السوق العقارية نحو مزيد من النشاط وجذب المستثمرين والاستثمارات الجديدة الخارجية، فإن البحرين تكون قد ربحت رهانها.

وغدًا لناظره قريب.

*كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية