العدد 6248
السبت 22 نوفمبر 2025
المدرسة بين الكتاب والشاشة
السبت 22 نوفمبر 2025

لا أبالغ إذا قلت إن قرار وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة منع استخدام الهواتف المحمولة في المدارس، هو واحد من أصدق القرارات التربوية في هذا الزمن الرقمي المزدحم.
قرار يضع النقاط على الحروف، ويعيد ترتيب الأولويات: الطفل أولا.. ثم كل شيء آخر.
لقد تحولت الهواتف من وسيلة نافعة إلى قيدٍ يطوّق أبناءنا. تراهم يجلسون في الصفوف، أجسادهم حاضرة لكن عقولهم مشرّدة، أصابعهم تتنقل بين التطبيقات بينما المعلم يشرح، وأعينهم معلقة بشاشة تبعدهم عن زملائهم، عن اللعب، عن الضحك، عن الطفولة نفسها.
أي خسارة أكبر من أن نفقد بهجة العمر في سنواته الأجمل؟ فالمدرسة ليست جدرانًا تحاصرنا، بل فضاء يفتح أمام أبنائنا آفاق الفكر والتعلم والتجربة. هي المكان الذي يكتشف فيه الطالب ذاته، ويخط أول ملامح شخصيته. فإذا ملأنا هذا الفضاء بالهواتف والشاشات، فما الذي يبقى من سحره وروعته؟
هذا ما وعته دول عديدة حين قررت أن تقول “كفى”. فرنسا، هولندا، إيطاليا، الصين، البرازيل، نيوزيلندا، البرتغال، فنلندا، اليونان، أندرا براديش (الهند)، إندونيسيا (مناطق)، رواندا، طاجيكستان، تركمانستان. 
كلها أدركت أن التربية لا تكتمل إلا ببيئة خالية من التشتت؛ فاختارت أن تبعد الهواتف عن قاعات الدرس. 
ونحن في البحرين، أما آن لنا أن نلتحق بهذا الركب؟ أن نضع مصلحة أبنائنا فوق كل اعتبار؟ أن نمنحهم حقهم في مدرسة حقيقية، يسمع فيها الطالب صوت زميله لا رنين هاتفه، ويرى فيها المعلم ابتسامة التلميذ لا وهج الشاشة؟
شخصيًّا لست ضد التكنولوجيا؛ فهي لغة هذا العصر، ولكننا ضد أن تصبح بديلا عن الحياة. فلا أحد يستطيع أن يستغني عنها؛ فهي تسهل علينا عملية البحث وإجراءات كثيرة من الخدمات في حياتنا اليومية، ولكننا في المقابل نريد لأبنائنا أن يتعلموا كيف يكتبون قبل أن يتصفحوا، كيف يلعبون قبل أن يتابعوا، كيف يصغون للآخر قبل أن ينغمسوا في صمت الأجهزة. 
لقد أصبح الأطفال لا يعرفون لغة الحوار والمشاركة في أي نقاش، والسبب هو سيطرة تطبيقات الهواتف الذكية عليهم، بل أصبحوا أسرى إن صح التعبير!
إن قرارًا كهذا ليس مجرد منع، بل هو رسالة حب نقول فيها لأبنائنا “أنتم أهم من أي جهاز”، “طفولتكم أولى من أي تطبيق”، “تعليمكم أسمى من أي شاشة”. فلنرفع هذا النداء من البحرين: أعيدوا للمدرسة نقاءها، وللتعليم هيبته، وللطفولة براءتها. ما رأيكم؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية