في عالم تتسابق فيه الدول لاستعراض النفوذ عبر البروتوكولات الفاخرة، والمظاهر المبهرة التي كثيرًا ما تُثقل كاهل المال العام وتفتقر إلى المعنى الحقيقي، تأتي بعض المواقف لتُذكّرنا أن الرمزية المدروسة قد تكون أبلغ من فخامة العطاء.
لفت انتباهي مؤخرًا بيان صدر عن رئاسة الجمهورية العراقية، على خلفية تداول فيديو يظهر شخصًا يتحدث مستغربًا عن هدية تلقاها من الرئاسة، وتضم عبوة زيت زيتون وعصير رمان. وقد سارع البعض للسخرية، ووجدها فرصة للتشكيك في القيمة والجدوى، وكأن الهدايا الرسمية لا تكون إلا هدايا مكلّفة لا يُعرف مصدرها ولا مبررها.
لكن ما جاء في البيان الرسمي للرئاسة يستحق التوقف عنده، بل والثناء عليه. فقد أوضح أن هذه الهدية الرمزية هي من إنتاج محلي في محافظة حلبجة، وتم اختيارها بعناية ضمن توجه لتشجيع الزراعة المحلية ودعم المنتجات الوطنية، وخاصة النباتية منها التي تُعد مصدر فخر للعراق، ورسالة تؤكد أهمية الاعتماد على الذات وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج، بدلًا من الارتهان للبروتوكولات الجوفاء.
هذه المبادرة لم تكن مجرد تصرف عابر؛ بل توجّه مدروس يحمل في طيّاته احترامًا للبيئة الزراعية العراقية، واعتزازًا بالإنتاج المحلي، ويهدف في مضمونه إلى إرساء قيمة: أن الهدايا يمكن أن تكون وسيلة للتعبير عن الهوية، والانتماء، والالتزام بقيم التنمية المستدامة.
وهنا، علينا أن نطرح سؤالاً أكبر: لماذا لا تصبح هذه الممارسة نموذجًا يُحتذى به على مستوى المؤسسات الحكومية والرسمية في بلداننا؟ لماذا لا نعيد النظر في الهدايا التي تُقدم باسم الدولة أو المؤسسات، فنجعلها أدوات لنشر الوعي، ودعم المشاريع الصغيرة، وتكريس احترام العمل الوطني؟
تخيلوا لو أن كل هدية رسمية في بلادنا كانت منتجًا من الأرض، أو قطعة فنية من صنع الحرفيين المحليين، أو حتى كتابًا من تأليف أحد الكفاءات الوطنية. ألن تكون تلك الهدية أبلغ وأعمق من هدية مستوردة لا نعرف من أتى بها ولماذا؟
في المقابل، ينساق البعض خلف ثقافة الاستعراض، حيث تُصرف الأموال على هدايا قد لا تُعبّر عن أي شيء سوى التكلّف. ثقافة تختزل التقدير في الكلفة، وتغفل القيمة الرمزية والمعنوية التي يمكن أن تحملها أبسط الهدايا. والأدهى أن هذا التكلّف لا يأتي من المال الشخصي، بل من المال العام، ما يجعل من مراجعة هذه السلوكيات أمرًا واجبًا لا ترفًا.
إن دعم المنتج المحلي ليس شعارًا نردده في المناسبات، بل هو ممارسة تبدأ من أبسط التفاصيل، مثل اختيار هدية تعبّر عن فخرنا بزيت الزيتون الذي ننتجه، أو الرمان الذي نقطفه من بساتيننا، أو الحرف التي ننسجها بأيادينا. هكذا فقط نصنع هوية اقتصادية متماسكة، ونبني ثقة المواطن بما تُنتجه بلاده.
والأهم من ذلك كله، أن نُربّي الأجيال الجديدة على احترام العمل والإنتاج، وعلى أن الفخر ليس في ما نملك من مظاهر، بل فيما نقدمه من عطاء. أن نُهدي ما نُنتج، لا ما نشتري، وأن تكون الهدايا تجسيدًا لقيمنا لا لتكلفتنا.
ما فعلته رئاسة الجمهورية العراقية قد يبدو بسيطًا في شكله، لكنه كبير في مضمونه، ويستحق أن يُكتب عنه، ويُشجَّع، ويُقتدى به. فنحن بحاجة إلى تغيير الثقافة لا فقط البروتوكول، وإلى إعادة الاعتبار لكل يد تزرع وتصنع وتنتج… تلك هي الهدية الحقيقية التي يستحقها كل مجتمع.
ومن واقع تجربتي الشخصية خلال فترة عملي ، حيث كنا نحرص كثيرًا على دعم الأعمال الفنية والأدبية والمنتجات الوطنية، ونحرص على إهداء الضيوف تلك الهدايا التي كانت تحظى بترحيب كبير من قبل الزوار من خارج المملكة. ناهيك عن اعتماد عدد منها لتكون الهدية التذكارية الرسمية التي تقدم للوفود، وكنا نذكر ذلك وبكل فخر عن تلك الأعمال وأصحابها.
في اعتقادي الشخصي أن هذه الثقافة أو الممارسة يجب أن تتبع في جميع المؤسسات الحكومية والخاصة، من بنوك وشركات. إن دعم القطاع المحلي يعتبر واجبًا وطنيًّا، بل مبدأً ثابتًا لدعم المنتج المحلي بهدف تحقيق التنمية المستدامة.
ما رأيكم؟
*كاتب وإعلامي بحريني