العدد 6243
الإثنين 17 نوفمبر 2025
الدين معاملة.. الدين أخلاق
الإثنين 17 نوفمبر 2025

في حياتنا اليومية نصادف أشخاصًا لا يعرفون للخير طريقًا، ولا يطيقون أن يروا غيرهم ناجحًا أو مبدعًا، وإن حدث ووقع أمام أعينهم عمل رائع أو مبادرة إنسانية أو إنجاز يستحق التقدير، يمرون عليه مرور الكرام وكأن شيئًا لم يكن، لا بكلمة طيبة، ولا بابتسامة مشجعة، ولا حتى بدعاء صادق. هؤلاء يعيشون وكأن الكلمة الطيبة تُنقص من رصيدهم أو تُقلل من شأنهم.
الأدهى من ذلك، أن بعضهم يدّعي الالتزام الديني، ويُظهر نفسه على أنه حريص على العبادات والطقوس، لكنه يغفل عن حقيقة جوهر الدين الذي بُني أساسًا على القيم والمبادئ الإنسانية العظيمة. ألم يقل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة”؟ كلمة قد لا تكلّف المتحدث ثانية من عمره، لكنها تزرع في قلب المستمع فرحًا، وتمنحه دفعة أمل، وتُشعره بقيمة ما قدّم.
إن التدين الحقيقي لا يقاس بعدد الركعات أو طول السجود، وإنما يُقاس بمدى انعكاس تلك العبادات على سلوك الإنسان وتعاملاته؛ فالدين في جوهره معاملة، كما قالوا: “الدين المعاملة”. دين يعلّمنا الصدق والإخلاص، ويربّينا على المحبة والتسامح، ويدفعنا لأن نفرح لنجاح الآخرين كما نفرح لنجاح أنفسنا؛ لأن الفرح بالخير للغير من علامات صفاء القلب وسلامة الصدر.
شخصيًا تعاملت كغيري مع مثل هذه الفئات، واختبرت مواقف مختلفة معهم، ولم أجد إلا القليل منهم من يفرح فعلًا لغيره ويبارك له بصدق عند نجاحه. هذا “القليل” وإن كان نادرًا، إلا أنه يضيء لنا المعنى الحقيقي للإيمان، ويؤكد أن في الأمة دائمًا قلوبًا نقية تعرف أن المشاركة في فرحة الآخرين لا تُنقص من قدر صاحبها، بل ترفعه وتجمّله.
لذلك رسالتي لهؤلاء المتحفظين على الخير: أعيدوا النظر في مفهوم التدين الذي تتبنون؛ فالدين ليس مظاهر ولا شعارات، بل سلوك ينعكس في أبسط تفاصيل الحياة: في كلمة تشجيع، في دعاء صادق، في ابتسامة مخلصة، وفي مشاركة حقيقية لنجاحات الآخرين. فهذه المعاني أبقى أثرًا عند الله وعند الناس، من أي مظاهر شكلية قد تخفي وراءها قلوبًا فارغة من الرحمة.
حدثني أحد الأشخاص بأنه تمت ترقيته إلى منصب مرموق في عمله، مضيفا أنه تلقى سيلا من التهاني والتبريكات وباقات الورد ورسائل التهنئة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وهذا أمر طبيعي جدا، إلا أن ما كان ليس طبيعيا هو عدم تهنئته من قبل أفراد العائلة! مؤكدا أنه يحتفظ بعلاقات جيدة مع الجميع، مستغربا من هذا الصمت واللامبالاة، الذي فسره قد يكون غيرة وحسد!
الخلاصة أن الكلمة الطيبة لا تُكلف شيئًا، لكنها تُغير الكثير، وتبقى صداها في النفوس زمنًا طويلًا. فلنحرص على أن نكون مصدرًا للخير، لا عائقًا أمامه، وتذكروا أن الدين معاملة قبل أن يكون شعائر.
واللبيب بالإشارة يفهم!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية