منذ سنوات والعالم ينظر إلى التجربة التعليمية في الصين باعتبارها من الأكثر تفوقًا، ليس فقط بسبب الانضباط والجدية، بل أيضًا بفضل الجرأة في إدخال أفكار جديدة.
وآخر ما قرأت عنه أن بعض المدارس الصينية بدأت في تخصيص فترة قصيرة خلال اليوم الدراسي ليأخذ الطلاب قيلولة، ثم يعودون بعدها لمواصلة الدراسة بتركيز ونشاط أكبر. وقد تبدو الفكرة غريبة للوهلة الأولى، لكن المتخصصين في التربية وعلم النفس يؤكدون أن هذه الاستراحة القصيرة تمنح الدماغ طاقة متجددة وتزيد من القدرة على التفكير والإبداع، عوضًا عن حالة الإرهاق الذهني التي تصيب الطلاب مع طول ساعات الدراسة. ولو تأملنا الأمر قليلا لوجدنا أن أطفالنا في البحرين – كما في غيرها من الدول – يبدؤون يومهم مبكرًا جدًا، ثم يمضون ساعات متصلة بين الفصول الدراسية والواجبات والأنشطة، وهو ما يترك أثرا على تركيزهم وحيويتهم؛ لذا فإن إدخال تجربة “القيلولة المدرسية” لا يعد ترفًا، بل قد يكون وسيلة عملية لتعزيز جودة التعليم، وخلق جيل أكثر إنتاجًا وإبداعًا.
لا شك في أن هذه الراحة القصيرة ليست خروجًا عن الجدية فحسب، بل تعد جزءا من الانضباط الذكي. فحتى في بيئات العمل حول العالم بدأت بعض الشركات الكبرى تمنح موظفيها دقائق للنوم أو الاسترخاء خلال النهار، بعدما ثبت أن ذلك يرفع الإنتاجية ويقلل من الأخطاء. وإذا كانت هذه الفوائد تتحقق عند الكبار، فإن أثرها عند الطلاب سيكون أكبر؛ لأنهم في طور التعلم واكتساب المعارف.
واللافت للنظر أن القيلولة ليست عادة جديدة علينا نحن العرب، بل هي جزء من تراثنا الإسلامي والعربي، حيث وردت في الأحاديث النبوية كسنة مهجورة. وإذا كانت المجتمعات الحديثة قد اكتشفت اليوم قيمة هذه العادة، فما أحوجنا نحن إلى إعادة إحيائها في صورة عصرية ضمن بيئتنا التعليمية.
وليس غريبًا أن نرى دولًا أخرى مثل اليابان وإسبانيا قد سبقت إلى اعتماد فترات استراحة منظمة خلال اليوم الدراسي أو العملي؛ إدراكًا لقيمتها في رفع مستوى الأداء الذهني والجسدي على حد سواء.
إننا نطمح في البحرين إلى نظام تعليمي يوازن بين المعرفة والمهارات والصحة النفسية والجسدية للطالب.
ولا شك في أن وزارة التربية والتعليم لديها من المرونة والانفتاح ما يجعلها تدرس مثل هذه الأفكار بعين الاعتبار، لتكون مدارسنا بيئة أكثر ملاءمة للإبداع والتفوق. ولعل البداية العملية يمكن أن تكون بتجربة تجريبية في بعض المدارس، تُخصص فيها دقائق محدودة بعد منتصف اليوم للراحة أو القيلولة القصيرة، ثم تقاس النتائج من خلال متابعة الأداء الدراسي ومستوى التركيز، فإذا أثبتت التجربة نجاحها يمكن تعميمها بشكل تدريجي على نطاق أوسع.
الخلاصة لماذا لا نعطي الفكرة فرصة من الاهتمام، ونعتبرها مجرد أفكار جديدة، قد تمنح أبناءنا عمرًا أطول من العطاء الفكري والإبداعي؟ وتذكروا جيدا أنه لا ضير في استنساخ تجارب الآخرين، إذ يعد اليابانيين أكثر الشعوب إيمانا بالاستنساخ، وقد يكون ذلك سر نجاحهم! ما رأيكم؟
*كاتب وإعلامي بحريني