مع اقتراب رئاسة ماليزيا لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لعام 2025 من محطتها المفصلية، تتجدد ملامح الجنوب العالمي في سرديةٍ آسيويةٍ مستجدة، تُعيد رسم خطوط القوة والتعاون عبر محورٍ يمتد من الخليج إلى المحيط الهادئ. فبينما تستعد كوالالمبور لتسليم رئاستها إلى الفلبين، تتهيأ لاستضافة القمة الـ47 للرابطة بين 26 و28 أكتوبر الجاري، حيث يلتقي الشرق والغرب والجنوب في لحظةٍ تتجاوز البروتوكول إلى إعادة تعريف الجغرافيا السياسية والاقتصادية.
في مايو الماضي، احتضنت كوالالمبور أول قمةٍ جمعت (آسيان) ومجلس التعاون لدول الخليج العربية والصين، لتفتح صفحةً جديدةً في حوار الجنوب العالمي، وتؤسس لفهمٍ استراتيجيٍ مشتركٍ حول إقامة منطقة تجارةٍ حرّةٍ وتفعيل إطارٍ مؤسسيٍ دائمٍ بين المنطقتين. تلك القمة كانت بمثابة جسرٍ عبَرَت عبره المصالح الخليجية–الآسيانية إلى فضاءٍ أوسع من التعاون، مُمهّدةً للمرحلة التي تمثلها قمة كوالالمبور الحالية، حيث تتبلور معالم التكامل السياسي والاقتصادي بين الجنوبين العربي والآسيوي.
وتنعقد قمة أكتوبر وسط حضورٍ دوليٍ غير مسبوق، إذ يشارك فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، والرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا، إضافة إلى قادة أستراليا ونيوزيلندا والاتحاد الأوروبي، فيما تحتفل تيمور ليستي بانضمامها رسميًا كعضوٍ جديدٍ في الرابطة. هذا التنوع الجغرافي والفكري يمنح القمة طابعًا كونيًا تتقاطع فيه ملفات التجارة والطاقة والأمن البحري مع التحولات الجيو–اقتصادية الراهنة.
وتسعى ماليزيا، وهي تُختتم رئاستها، إلى ترسيخ مفهوم “مركزية آسيان” كإطارٍ عمليٍ لإدارة التحولات العالمية عبر ثلاث ركائز: التحول الأخضر، الرقمنة، والاندماج الاقتصادي الإقليمي. فالقمة لا تُعنى فقط ببحث أرقام النمو والتجارة، بل تتناول تطوير شبكات الطاقة المستدامة وممرات البيانات والبنى اللوجستية العابرة للقارات، بما يتسق مع التوجه الخليجي نحو تنويع الاقتصاد وبناء شراكاتٍ ذكيةٍ مع آسيا.
وفي قلب القمة، يتصدر ملف اتفاقية التجارة الحرة الخليجية–الآسيانية، الذي يُعتبر رهانًا مشتركًا لتحويل الطموحات إلى اتفاقاتٍ مُلزمة ومشروعاتٍ عمليةٍ على الأرض. فالتكامل المنشود لا يقتصر على تبادل السلع، بل يمتد إلى بناء رأس المال البشري وتبادل الخبرات التعليمية والبحثية، لصياغة نموذجٍ تنمويٍ يربط “اقتصاد الإنسان” بـ “اقتصاد السوق”. هذا الوعي التنموي الجديد هو ما تسعى ماليزيا إلى تثبيته، باعتبار التنمية فعلًا إنسانيًا يربط القيمة الاجتماعية بالربح الاقتصادي، لا تناقضًا بينهما.
ومع انتقال الرئاسة إلى الفلبين، تترك كوالالمبور إرثًا سياسيًا واقتصاديًا سيظل يتردد في ذاكرة الجنوب العالمي، بعدما نجحت في جعل (آسيان) جسرًا فعليًا بين الخليج والمحيط الهادئ، ومختبرًا لتجربةٍ جنوبيةٍ تتجاوز ثنائية الشرق والغرب. فالقمة ليست نهاية مرحلة، بل بداية فصلٍ جديدٍ تُكتب فيه السياسات بمداد المصالح المشتركة، وتُصاغ الجغرافيا بلغة التنمية المتبادلة، لتغدو (آسيان) منارةً صاعدةً في الجنوب العالمي.