العدد 6199
السبت 04 أكتوبر 2025
“كياوكفيو” محور التوازن في ميانمار
السبت 04 أكتوبر 2025

في أقصى غرب ميانمار، وعلى سواحل ولاية راخين المضطربة، تشهد المنطقة ولادة مشروع استراتيجي تتجاوز أصداؤه حدود الجغرافيا المحلية. ميناء “كياوكفيو” Kyaukphyu العميق، الذي تبلغ كلفة مرحلته الأولى نحو 1.3 مليار دولار، ليس مجرد بنية تحتية بحرية، بل بوابة سياسية واقتصادية تحمل في عمقها إعادة تشكيل لمعادلة النفوذ في المحيط الهندي.

تكمن أهمية هذا الميناء في أنه جزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث تسعى بكين إلى كسر قيود الاعتماد على مضيق ملقا عبر إنشاء ممر بديل للطاقة يربط مباشرة بين خليج البنغال ومقاطعة يونان الصينية. هذه الخطوة تمنح الصين متنفساً استراتيجياً وتضع ميانمار في قلب الصراع الجيوسياسي بين قوى تريد التحكم بخطوط الإمداد العالمية. إن الموانئ، في هذا السياق، تتحول إلى شرايين للهيمنة، لا مجرد أرصفة لتفريغ البضائع.

لكن الصورة ليست مشرقة تماماً. المشروع يقع في منطقة تعاني من نزاعات مسلحة وتهجير قسري، إذ تشير تقارير إلى أن ما يقارب 20,000  شخص من السكان المحليين سيفقدون أراضيهم ومصادر رزقهم نتيجة إنشاء الميناء. وبينما تراهن الحكومة على العوائد الاقتصادية، فإن الأصوات الحقوقية تحذر من أن التنمية التي لا تراعي العدالة الاجتماعية قد تولّد أزمات أكبر من تلك التي جاءت لمعالجتها. هنا يظهر التناقض بين الوعد بالتنمية والخوف من التهميش، بين الأمل بالازدهار والخشية من الإقصاء.

ومن زاوية خليجية، فإن مشروع كياوكفيو يقدم دروساً عميقة. دول الخليج، التي تسعى لتثبيت مكانتها كمراكز لوجستية عالمية عبر موانئ مثل ميناء خليفة بن سلمان وجبل علي والدمام والدوحة، يمكنها أن تقرأ في التجربة الميانمارية درساً في كيف تتحول الموانئ إلى أوراق نفوذ إقليمي.  كما أن الشراكة مع الصين في مشاريع بنية تحتية، سواء في ميانمار أو الخليج، تفرض وعياً بأن البنية المادية ليست منفصلة عن اللعبة السياسية الكبرى. فالاستثمارات هنا ليست حسابات مالية فحسب، بل رهانات استراتيجية تحدد موقع الدولة في الخريطة العالمية.

إن أهمية التجربة تكمن أيضاً في البعد الاجتماعي. فبينما تشق الصين ممراتها الاقتصادية عبر ميانمار، فإن المجتمعات المحلية تواجه قلقاً وجودياً. وهذا ما يجب أن يلتفت إليه الخليج عند التخطيط لمشاريعه الضخمة: أن التنمية لا تُقاس فقط بحجم الأرصدة والاستثمارات، بل بمدى اندماج الإنسان المحلي في ثمارها. فالاقتصاد إذا انفصل عن المجتمع، يصبح جسداً بلا روح، ومشروعاً بلا شرعية.

ختاما، يظهر ميناء كياوكفيو كرمز مزدوج: بوابة صاعدة للنفوذ الصيني، وجرس إنذار لمخاطر التنمية غير المتوازنة. وإذا كان الخليج يسعى لتأمين مستقبله كمركز للتجارة العالمية، فإن قراءة هذا النموذج تذكّره بأن الموانئ ليست مجرد أحواض سفن، بل مرايا تعكس علاقة الدولة بمحيطها، وتحدد إن كانت جسورًا للتكامل أو ساحات للتوتر.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .